التخطي إلى المحتوى

تحقيق محمد صوابى..اعده للنشر :علاء قنديل

“ابني عنده 4 سنين ولسه ما اتكلمش”.. جملة قد تتكرر على لسان آلاف الأمهات في مصر، لتكشف عن واحدة من أخطر المشكلات التي تواجه الأطفال في عمر مبكر: **تأخر النطق واللغة**. في العادة يكون الحل السريع الذي يقترحه المجتمع هو: “وديه مركز تخاطب”، لكن ماذا لو كان هذا المركز غير مؤهل؟ أو بلا إشراف متخصص حقيقي؟ النتيجة ببساطة ضياع “السنوات الذهبية” من عمر الطفل، وفقدان فرصة العلاج المبكر.

في ظل هذه التحديات، ظهر **”البرنامج المصري للغة والتخاطب”**، الذي صممه الدكتور **أحمد محمد عبد الغني**، استشاري التربية الخاصة والتخاطب. البرنامج يعد الأول من نوعه في مصر والعالم العربي، وقد أثبت فاعليته داخل مئات المراكز ومع آلاف الأطفال، بل واستعانت به مراكز في الخليج وليبيا، كما تم توثيقه في أبحاث علمية ورسائل ماجستير ودكتوراه.

### أزمة غياب الرقابة

لكن على الرغم من نجاح البرنامج، فإن **المشكلة الكبرى** – كما يؤكد الدكتور عبد الغني – ليست في وجود الأدوات أو الكفاءات العلمية، بل في غياب **الرقابة الحكومية والتنظيم المؤسسي**. أكثر من 90% من مراكز التخاطب في مصر – بحسب تقديره – لا تحقق نتائج ملموسة بسبب ضعف تأهيل العاملين أو اعتماد أصحابها على شهادات غير معترف بها.

ويضيف: “المأساة أن أي شخص يمكنه أن يفتح مركز تخاطب تحت مظلة التضامن الاجتماعي، حتى وإن كان لا يمتلك أي مؤهل متخصص، بينما الأخصائيين الحقيقيين يعانون من ضعف المرتبات أو يضطرون للسفر للخارج”.

### لماذا “التربية الخاصة” بلا مظلة؟

في الوقت الذي ترتبط فيه قطاعات الصحة والتعليم والشباب والتضامن بقضايا ذوي الاحتياجات الخاصة، فإن مجال التخاطب والتأهيل – وفق ما يوضح عبد الغني – ما زال **بلا جهة مسؤولة واضحة**، ما فتح الباب للفوضى واستغلال الأهالي.

ويضيف: “الدولة تكتفي بالاحتفال بيوم ذوي الاحتياجات الخاصة في حفلات غنائية، بينما القضية الحقيقية تكمن في مراكز التأهيل والتربية الخاصة، وفي إنقاذ الأطفال قبل فوات الأوان”.

### الحل.. لجنة ونقابة مهنية

الدكتور عبد الغني يقترح حلاً عمليًا يتمثل في تشكيل لجنة عليا تحت إشراف وزيرة التضامن الاجتماعي، تكون مسؤولة عن:

* إصدار تراخيص لمزاولة المهنة بعد اختبارات تحريرية وشفوية.
* منح تراخيص فتح المراكز وفق معايير واضحة.
* متابعة العاملين والتأكد من اعتماد شهاداتهم من المجلس الأعلى للجامعات.
* الدفاع عن حقوق الأخصائيين، ومراقبة جودة الخدمات المقدمة للأطفال.
* التمهيد لتأسيس **نقابة مهنية** للعاملين في التربية الخاصة.

### البرنامج المصري.. إنجاز بلا دعم

البرنامج المصري للغة والتخاطب – المكوَّن من 17 جزءًا تدريجيًا – لا يقتصر على الأطفال ذوي الإعاقة فقط، بل يمكن استخدامه مع الأطفال العاديين لتقوية مهارات اللغة، وحتى مع الأجانب الراغبين في تعلم العربية باللهجة المصرية. ويستند البرنامج إلى قاعدة بيانات لغوية تضم أكثر من 50 ألف كلمة وجملة، تمت تجربتها على آلاف الأطفال مصريين.

لكن رغم نجاحاته، يظل البرنامج – حتى اليوم – **جهدًا فرديًا** لم يجد دعمًا حقيقيًا من وزارات التضامن أو التعليم أو الشباب والرياضة، وهو ما يثير تساؤلات حول سبب غياب تبني الدولة لمثل هذه المبادرات، بينما تستعين بها دول أخرى.

### رسالة أخيرة

“أتمنى أن تنظر الدولة إلى أطفالنا بعين مختلفة.. وأن يكون هناك تحرك حقيقي لتعميم البرنامج المصري في المدارس والمراكز والجمعيات، بدلًا من ترك المجال للنصابين وضعاف النفوس”، بهذه الكلمات أنهى الدكتور عبد الغني حديثه، مؤكدًا أن مستقبل آلاف الأطفال يعتمد على قرار حكومي قد يصنع الفارق بين “طفل صامت” و”طفل متكلم”.