علاء قنديل يكتب
…هل تحول المستطيل الأخضر إلى مجلس أمن يدار بـ ‘الفيتو’ ؟
تعيش كرة القدم في السنوات الأخيرة حالة من الجدل المتصاعد، لا تتوقف عند حدود المستطيل الأخضر، بل تمتد إلى ما بعد صافرة النهاية، حيث تتحول بعض المباريات إلى ساحات نقاش واسعة حول القرارات التحكيمية وإدارة المسابقات وآليات تطبيق اللوائح.
لقد تجاوزت الأحداث الرياضية في مصر مؤخراً حدود التنافس الشريف، لتستقر في منطقة تثير الاشمزاز في نفوس الباحثين عن العدالة، حيث لم تعد كرة القدم مجرد لعبة تحكمها القوانين، بل أصبحت مسرحاً لفرض الإرادات بالقوة والغطرسة. إن ما نشهده اليوم من أحداث، وما تلا مباراة الأهلي وسيراميكا من جدل، ليس مجرد خلاف على صحة ضربة جزاء من عدمها، بل هو عرض لمرض عضال يضرب جسد المنظومة، حيث يتم توجيه الأحداث لخدمة القوى الجماهيرية الكبرى التي تفرض رأيها وسطوة نفوذها على الجميع. إن المشهد مريب لدرجة تجعلنا نتساءل عن الكواليس التي تدار بها اللعبة، خاصة حين نسترجع سيناريوهات الموسم الماضي وواقعة الانسحاب الشهيرة، وكيف تم تطويع اللوائح لخدمة مصالح بعينها، وتؤمن المسار لمن يملك الصوت العالي، وفي غمار هذا الطوفان من الانحياز، تضيع حقوق أندية تاريخية كالإسماعيلي والمصري والاتحاد السكندري وغيرها من فرق الأقاليم التي تُذبح صافرات العدالة على عتبات طموحات “الأقوياء”. فكم من مرة ظُلمت هذه الأندية وتغاضى الحكام عن صرخاتها؟ وكم من ركلة جزاء مستحقة لـ “دراويش” الكرة أو “سيد البلد” تبخرت في الهواء لأن الخصم يملك “فيتو” جماهيري وإعلامي يخرس الألسنة؟ لا أحد يستطيع الكلام أو الاعتراض، لأن القرار في نهاية المطاف ينبع من قوة النفوذ لا من قوة اللوائح، ولأن “أصحاب القرار” يدركون أن إرضاء القوة الجماهيرية الغاشمة أهون من تطبيق العدل على أندية لا تملك سوى تاريخها العريق وجماهيرها المخلصة.
إن هذا المشهد الرياضي المتأزم ليس إلا صورة طبق الأصل من السياسة الدولية القبيحة التي نعيشها اليوم، حيث سقطت أقنعة الشعارات وحقوق الإنسان أمام منطق القوة الغاشمة. فكما نرى القوى العظمى كأمريكا والكيان الصهيونى تمارس “بلطجة” دولية، فتخطف إرادات الشعوب وتدوس على كرامة الإنسان في فلسطين ولبنان دون رادع، نجد في الرياضة “إقطاعيات” تمارس ذات المنهج. لقد تحولت كرة القدم من وسيلة للتقارب إلى وسيلة لإثبات السيطرة، تماماً كما تفتح القوى العظمى نيران الحرب وتغلقها بقرار أحادي لا يحترم قانوناً ولا عهداً. إننا نعيش عصر “موت الضمير العالمي” الذي انتقل من أروقة الأمم المتحدة—التي باتت جثة هامدة لا تحمي المظلومين—إلى أروقة الاتحادات الرياضية التي لا تملك سوى الانحناء أمام العاصفة الجماهيرية أو النفوذ السياسي.
إن استنساخ نموذج “البقاء للأقوى” في الملاعب هو إعلان وفاة للروح الرياضية، فإذا كانت القوانين الدولية قد ماتت تحت جنازير الدبابات، فإن لوائح كرة القدم تحتضر اليوم تحت ضغط “الإرهاب المعنوي” والمصالح المتبادلة. إن حصول الأندية الكبرى على البطولات بقرارات إدارية أو صافرات مرتعشة ترهبها سطوة اللون، هو انعكاس لواقع دولي يرى في القوي “صاحب حق” حتى لو كان ظالماً، ويرى في الضعيف “مخطئاً” حتى لو كان صاحب قضية. اتقوا الله في هذه اللعبة التي كانت المتنفس الوحيد للبسطاء، ولا تجعلوها نسخة كربونية من نظام عالمي ظالم لا يعترف إلا بمن يملك القوة ليدهس الجميع، فالتاريخ لن يرحم من استبدل “صافرة العدل” بـ “مطرقة البلطجة”، ومن جعل الرياضة مجرد أداة لتكريس الاستبداد عوضاً عن نشر قيم النزاهة.


