علاء قنديل يكتب :
الصين واليونسكو تدعمان تعليم الفتيات والنساء..والذكاء الاصطناعي يدخل على خط التمكين
عقيلة الرئيس الصيني: التعليم الرقمي ضرورة لضمان استفادة النساء من التقنيات الذكية.. والتعاون الدولي يفتح آفاقًا جديدة للمساواة
في عالم تتسارع فيه التحولات التكنولوجية، لم يعد تعليم المرأة قضية ترتبط فقط بمحو الأمية أو إتاحة فرص الالتحاق بالمدارس والجامعات، بل أصبح مرتبطًا أيضًا بقدرتها على مواكبة الثورة الرقمية، واستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، والمشاركة في اقتصاد يتزايد اعتماده على المعرفة والتكنولوجيا. ومن هذا المنطلق، جاءت دعوة بنغ لي يوان، عقيلة الرئيس الصيني شي جين بينغ والمبعوثة الخاصة لليونسكو لتعزيز تعليم الفتيات والنساء، إلى تكثيف الجهود الدولية لتطوير التعليم الرقمي والذكي للمرأة، بما يضمن قدرتها على استخدام التقنيات الحديثة والاستفادة من الفرص التي تتيحها.
وخلال كلمة عبر رابط فيديو في مراسم توزيع جائزة اليونسكو لتعليم الفتيات والنساء لعام 2026، التي أُقيمت في باريس، شددت بنغ على أن تعليم الفتيات والنساء لا يزال يمثل مهمة شاقة تتطلب تعاونًا دوليًا مستمرًا، داعية إلى تعزيز التعليم والتدريب المهني للنساء، وبناء مسارات تتيح لهن تحقيق طموحاتهن والمشاركة بفاعلية في التنمية.
وتعيد هذه الدعوة طرح سؤال محوري: كيف يمكن ضمان ألا تتحول الثورة الرقمية إلى فجوة جديدة بين النساء والرجال، أو بين المجتمعات القادرة على امتلاك التكنولوجيا وتلك التي لا تزال تواجه صعوبات في الوصول إلى التعليم والموارد الرقمية؟
الذكاء الاصطناعي.. فرصة جديدة أمام تعليم المرأة
يمثل توظيف الذكاء الاصطناعي في التعليم أحد المحاور التي تزداد أهميتها مع انتشار الأدوات الرقمية وتطور أساليب التعلم. فالتقنيات الذكية يمكن أن تتيح فرصًا للتعلم عن بُعد، والوصول إلى المحتوى التعليمي، وتقديم مسارات تعليمية أكثر مرونة، بما يساعد الفتيات والنساء اللاتي تحول ظروفهن الاجتماعية أو الاقتصادية أو الجغرافية دون الاستفادة الكاملة من التعليم التقليدي.
لكن الاستفادة من هذه الفرص لا تتحقق بمجرد توفير الأجهزة أو التطبيقات؛ إذ تتطلب امتلاك المهارات الرقمية الأساسية، والقدرة على تقييم المعلومات، والتعامل الواعي مع أدوات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب توفير بيئة تعليمية آمنة وعادلة.
وفي هذا السياق، أشارت بنغ إلى أن الجهود الصينية خلال السنوات الماضية لتوظيف الذكاء الاصطناعي في تحسين جودة التعليم أسهمت، بحسب تصريحاتها، في دعم المساواة بين الجنسين في التعليم والتنمية الشاملة للمرأة، كما أتاحت خبرات يمكن أن تستفيد منها دول أخرى، ولا سيما في الجنوب العالمي.
وتبرز أهمية هذه التجربة في الحاجة إلى تحويل استخدام التكنولوجيا من مجرد وسيلة مساعدة في العملية التعليمية إلى أداة تتيح فرصًا أوسع للتعلم واكتساب المهارات والاستعداد لسوق العمل.
من إتاحة التعليم إلى امتلاك المهارات
لا تقتصر قضية تعليم المرأة على ضمان الالتحاق بالمؤسسات التعليمية، بل تمتد إلى جودة التعليم ومدى ارتباطه بالمهارات المطلوبة في الحياة العملية. فمع توسع استخدام التقنيات الرقمية في قطاعات متعددة، تصبح المعرفة بالتكنولوجيا والقدرة على استخدامها عنصرين مهمين في توسيع الخيارات المهنية أمام النساء.
ومن هنا تأتي أهمية الدعوة إلى الجمع بين التعليم الأكاديمي والتدريب المهني، بما يتيح للفتيات والنساء اكتساب مهارات قابلة للتطبيق، والاستعداد للتغيرات التي يشهدها سوق العمل.
كما أن تمكين المرأة رقميًا يتطلب الاهتمام بمختلف المراحل العمرية، بدءًا من تعليم الفتيات في المدارس، مرورًا بالتعليم الجامعي والتدريب المهني، وصولًا إلى برامج التعلم المستمر التي تساعد النساء على تطوير مهاراتهن مع تغير احتياجات الوظائف.
وتظل هذه الجهود بحاجة إلى تعاون بين الحكومات والمؤسسات التعليمية والمنظمات الدولية والقطاع الخاص، لضمان ألا تقتصر الاستفادة من التكنولوجيا على الفئات التي تمتلك بالفعل الموارد والمهارات اللازمة.
اليونسكو والتعاون الدولي.. مسار لدعم تعليم الفتيات والنساء
خلال مراسم توزيع جائزة اليونسكو لتعليم الفتيات والنساء لعام 2026، هنأت بنغ المؤسستين الفائزتين بالجائزة، إحداهما من المغرب والأخرى من بيرو، مؤكدة أن تعليم الفتيات والنساء يمثل عنصرًا أساسيًا في تقدم الحضارة الإنسانية.
وتعكس الجائزة، التي أُنشئت بالتعاون بين الصين واليونسكو عام 2015، اهتمامًا دوليًا بالمبادرات التي تسهم في توسيع فرص تعليم الفتيات والنساء وتعزيز مشاركتهن في التنمية.
وأكدت بنغ أن التعاون بين الصين واليونسكو والأطراف المعنية شهد تنفيذ برامج قالت إنها أفادت النساء في أنحاء العالم، مشيرة إلى استمرار التزام بلادها بدعم تعليم النساء داخل الصين، إلى جانب المشاركة في جهود التعاون الدولي.
وتكتسب هذه الشراكات أهمية في ظل تفاوت الإمكانات بين الدول والمجتمعات، إذ تحتاج المبادرات التعليمية إلى موارد مالية وتقنية، وبرامج تدريب مناسبة، وتبادل للخبرات، حتى تتمكن من الوصول إلى الفئات الأكثر احتياجًا.
الجنوب العالمي وتحديات الوصول إلى التكنولوجيا
أشارت بنغ إلى أن الخبرات الصينية في توظيف الذكاء الاصطناعي لتحسين التعليم يمكن أن تقدم تجربة مفيدة لدول الجنوب العالمي، وهي الدول التي تواجه، بدرجات متفاوتة، تحديات تتعلق بتوفير البنية التحتية الرقمية والموارد التعليمية والتدريب المتخصص.
وتتجاوز هذه التحديات مسألة الاتصال بالإنترنت؛ فهناك حاجة أيضًا إلى توفير أجهزة مناسبة، وتدريب المعلمات والمعلمين، وإعداد محتوى تعليمي يلائم الاحتياجات المحلية، إلى جانب الاهتمام بحماية البيانات والخصوصية وضمان الاستخدام المسؤول للتقنيات الذكية.
ومن دون التعامل مع هذه الجوانب مجتمعة، قد تستفيد بعض الفئات من التطور التكنولوجي بصورة أكبر من غيرها، وهو ما يجعل العدالة في الوصول إلى التعليم الرقمي هدفًا أساسيًا لأي استراتيجية تسعى إلى تمكين المرأة.
تحديات لا تزال قائمة
على الرغم من التقدم الذي أشارت إليه بنغ في مجال تعليم الفتيات والنساء، فإنها أكدت أن المهمة لا تزال شاقة، وهو ما يعكس الحاجة إلى استمرار الجهود الدولية وتطوير البرامج التعليمية بما يتناسب مع التحولات المتسارعة.
ويحتاج تحقيق تقدم مستدام إلى سياسات تضمن إتاحة التعليم الجيد، وتدعم التدريب المهني، وتوفر فرصًا متكافئة لاكتساب المهارات الرقمية. كما يتطلب الأمر متابعة نتائج المبادرات التعليمية، وقياس مدى استفادة النساء منها، ومدى انعكاسها على فرصهن في التعلم والعمل والمشاركة المجتمعية.
وتبرز كذلك أهمية ألا تحل الأدوات الذكية محل الاستثمار في المعلمين والمؤسسات التعليمية، بل أن تُستخدم لدعم العملية التعليمية وتوسيع نطاق الوصول إليها، مع مراعاة الفروق في الاحتياجات والقدرات والظروف الاجتماعية.
تعليم المرأة.. استثمار في مستقبل أكثر شمولًا
في ختام رسالتها، أعربت بنغ عن استعدادها للعمل مع المجتمع الدولي لتحقيق تقدم أكبر في تعليم الفتيات والنساء، مع دخول جائزة اليونسكو عقدًا جديدًا، مؤكدة أهمية بناء مستقبل تتاح فيه فرص أوسع للنساء من أجل التعلم والازدهار.
وتحمل الدعوة إلى تطوير التعليم الرقمي والذكي رسالة تتجاوز حدود دولة بعينها؛ فالتكنولوجيا لا تحقق أثرها الإيجابي بمجرد انتشارها، وإنما بقدرة الأفراد على استخدامها بصورة فعالة ومسؤولة. ومن ثم، فإن إتاحة التعليم الرقمي للمرأة، وربطه بالتدريب المهني والمهارات العملية، يمكن أن يشكل أحد المسارات المهمة لتوسيع فرصها في التنمية.
وفي النهاية، يبقى التحدي الأساسي هو تحويل الدعوات الدولية والمبادرات التعليمية إلى فرص ملموسة تصل إلى الفتيات والنساء في مختلف المجتمعات، بحيث تصبح المعرفة الرقمية والقدرة على التعامل مع الذكاء الاصطناعي جزءًا من حقهن في التعليم، لا امتيازًا يقتصر على فئات دون غيرها.
