التخطي إلى المحتوى

علاء قنديل بكتب 

من رحم الفقر إلى قمة السلطة.. كيف قاد “شي جين بينغ” الصين من الجوع إلى صدارة العالم؟

52 عاماً في خدمة الحزب والشعب.. قصة الزعيم الصيني الذي حقق حلم بلاده ورفض أن يخذل فقراءها

من الصعب أن تختزل تاريخ أمة في سيرة رجل، لكن من الأصعب أن تفصل مسيرة الصين الحديثة عن رداء ذلك الشاب الذي غادر العاصمة بكين يوماً مدفوعاً بظروف قاسية، ليجد نفسه بين الكهوف الطينية والأرض الصفراء في قرية “ليانغجياهي” النائية. هناك، قبل أكثر من نصف قرن، لم يكن “شي جين بينغ” يملك سوى حلم بسيط، حلم صاغته دموع الجوع ومعاناة الفلاحين: “أن يتمكن أهالي قريته من تناول وجبة مشبعة من اللحم”.

اليوم، وبعد مرور 52 عاماً على انضمامه إلى الحزب الشيوعي الصيني، تحول هذا الحلم القروي البسيط إلى “الحلم الصيني” الأكبر: تحقيق النهضة العظيمة للأمة الصينية. فكيف تحول سكرتير فرع الحزب في فريق إنتاج ريفي معزول إلى الزعيم الأعلى للحزب والدولة، وقائد ثاني أكبر اقتصاد في العالم؟

البداية من الطين: صهر الإرادة في “الأرض الصفراء”

لم تكن طريق شي جين بينغ مفروشة بالورود، بل كانت معبدة بالتراب الأصفر الشاق. في السابعة عشرة من عمره، أُرسل إلى ريف مقاطعة شانشي الشمالية كجزء من حركة “الذهاب إلى الريف”. هناك، عاش سبع سنوات كاملة داخل الكهوف، يتقاسم مع الفلاحين قسوة الحياة، ويحمل على عاتقيه أكياس القمح الثقيلة، ويقاوم البرد القارس.

في تلك البيئة القاسية، وُلدت عقيدته السياسية. وفي عام 1974، انضم رسمياً إلى الحزب الشيوعي الصيني بعد أن تم رفضه عدة مرات بسبب خلفية عائلته خلال فترة الاضطرابات السياسية. تولى منصب سكرتير فرع الحزب بالقرية، وكانت أولى إنجازاته ليست خطابات رنانة، بل حفر آبار المياه، وبناء مستنقعات الميثان لتوليد الطاقة، وتأمين لقمة العيش لجيرانه.

“إن منبت جذوري يكمن في الأرض الصفراء، لأن هذه الأرض هي التي رعت فكرتي الثابتة: يجب أن أفعل أشياء حقيقية للشعب!”

— من مذكرات شي جين بينغ

رحلة الصعود: تدرج القيادة على إيقاع هموم المواطن

على مدار خمسة عقود، لم يقفز “شي” إلى القمة فجأة، بل تسلق السلم الحزبي خطوة بخطوة، متدرجاً من القرية إلى المحافظة، ثم المقاطعة، وصولاً إلى القيادة المركزية. في كل محطة استقر فيها – سواء في فوجيان أو تشيجيانغ أو شتغهاي – كان يترك بصمة ترتكز على محاربة الفساد وتنمية الاقتصاد المحلي.

هذه الرحلة الطويلة منحت الزعيم الصيني ميزة استثنائية: فهم نبض الشارع بدقة. فعندما تولى قيادة الحزب والدولة كأمين عام ورئيس للبلاد، لم تكن خططه منفصلة عن الواقع؛ بل كانت نتاج عقود من معايشة الفقر. ومن هنا أطلق أكبر حملة في تاريخ البشرية للقضاء على الفقر المدقع، منتشلاً أكثر من 100 مليون مواطن ريفي من دائرة العوز، محققاً بذلك “مجتمع رغيد الحياة على نحو شامل”.

الحلم الصيني: من القرية إلى قيادة النظام العالمي

لم يعد طموح الشاب الصغير محصوراً في حدود قرية “ليانغجياهي”. لقد اتسع الحلم ليصبح عقيدة سياسية واقتصادية تهز أركان النظام العالمي الحاضر. تبلور هذا في “الحلم الصيني”، الذي لا يعني فقط القوة العسكرية والتكنولوجية الفائقة، بل يعني استعادة الصين لمكانتها التاريخية كحضارة قائدة وملهمة.

تحت قيادته، طرحت الصين مبادرات عالمية عملاقة مثل “الحزام والطريق”، وتحولت من “مصنع للعالم” إلى واحة للابتكار التكنولوجي والذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة، متحديةً بذلك الهيمنة الغربية التقليدية، ومقدمةً نموذجاً تنموياً فريداً يربط بين الاشتراكية ذات الخصائص الصينية والسوق الحر.

الوفاء بالعهد: “سأتجرد من ذاتي ولن أخذل الشعب”

عندما سُئل شي جين بينغ في إحدى المقابلات الدولية عن شعوره وهو يقود دولة تضم أكثر من 1.4 مليار نسمة، أجاب بعبارة تلخص فلسفة حياته بأكملها: “سأتجرد من ذاتي، ولن أخذل الشعب”.

هذه الكلمات لم تكن مجرد شعار سياسي للاستهلاك الإعلامي، بل هي دستور عمل تُرجم على أرض الواقع من خلال:

حملات تطهير حاسمة ضد الفساد طالت “النمور والذباب” (كبار وصغار المسؤولين على حد سواء).

إعلاء مصلحة المواطن وجعل “التنمية المتمحورة حول الشعب” البوصلة الأساسية لخطط الحزب الخمسية.

التفاني المطلق ووهب كل سنوات عمره الـ 52 الماضية لخدمة القضية الوطنية، دون التفات للمكاسب الشخصية.

 الوفاء الممتد

بعد 52 عاماً، ما زال ذلك الشاب الذي جاء من الأرض الصفراء يحمل الروح ذاتها. لقد تغيرت الصين، وتغير العالم، وتبدلت موازين القوى، لكن عهد “شي جين بينغ” ظل ثابتاً لا يتزحزح. إن قصة صعوده ليست مجرد سيرة ذاتية لزعيم، بل هي مرآة لقصة صعود الصين الحديثة؛ من المعاناة والجوع، إلى قمة المجد والقوة، مدفوعة بقلب رجل عاهد شعباً واستمر يفي بعهده حتى النهاية.