كتب علاء قنديل
في مشهد لافت جمع بين الثقافة والدبلوماسية، زارت بنغ لي يوان، عقيلة الرئيس الصيني شي جين بينغ، وميلانيا ترامب، عقيلة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، المتحف الوطني للفنون الآسيوية في العاصمة الأمريكية واشنطن، يوم الخميس، في زيارة حملت أبعادًا ثقافية وإنسانية، وفتحت نافذة جديدة للتواصل بين الشعبين الصيني والأمريكي.
ولم تكن الزيارة مجرد جولة داخل أروقة متحف يضم كنوزًا فنية آسيوية، وإنما عكست أهمية الثقافة والفنون في بناء جسور التواصل بين الشعوب، خاصة عندما يتعلق الأمر بعلاقتين دوليتين تجمعهما ملفات متعددة، وتحتاجان في الوقت نفسه إلى مساحات للحوار والتفاهم بعيدًا عن الملفات السياسية المباشرة.
وخلال الزيارة، تجولت بنغ لي يوان وميلانيا ترامب في عدد من قاعات العرض بالمتحف، من بينها قاعة الطاووس، حيث اطلعتا على مجموعة من الأعمال الفنية والمعروضات التي تعكس ثراء الفنون الآسيوية وتنوعها، وما تحمله من قيمة تاريخية وحضارية.
قاعة الطاووس.. محطة بارزة في الزيارة
جاءت قاعة الطاووس ضمن أبرز محطات الجولة، في مشهد جمع بين الفن والتاريخ، وأتاح لعقيلتي الرئيسين التعرف على جانب من المقتنيات التي يحتفظ بها المتحف الوطني للفنون الآسيوية، باعتباره مؤسسة أمريكية مرموقة تهتم بجمع الفنون الآسيوية وعرضها وإجراء البحوث المتعلقة بها.
وتحمل قاعات المتحف قيمة خاصة، لأنها تضع أمام الزائر نماذج متنوعة من إبداعات الحضارات الآسيوية، وتقدمها في مساحة ثقافية واحدة داخل العاصمة الأمريكية، بما يعكس الدور الذي يمكن أن تلعبه المتاحف في تعريف الشعوب بثقافات بعضها البعض.
بنغ لي يوان.. تقدير لإعادة القطع الأثرية الصينية
وخلال جولتهما داخل المتحف، أعربت بنغ لي يوان عن تقديرها لإعادة الجانب الأمريكي قطعًا أثرية صينية إلى الصين في مناسبات متعددة خلال السنوات القليلة الماضية.
وأكدت بنغ أهمية استمرار التعاون بين الصين والولايات المتحدة في مجالي التبادل الثقافي وحماية التراث الثقافي، معربة عن أملها في أن تتواصل الجهود المشتركة بما يسهم في تعميق الصداقة بين شعبي البلدين.
وتكشف هذه الإشارة عن جانب مهم من الزيارة، فالحفاظ على التراث الثقافي لا يتعلق فقط بالمقتنيات الموجودة داخل المتاحف، وإنما يرتبط أيضًا بالتعاون بين الدول والمؤسسات الثقافية من أجل حماية الآثار، وصونها، وإعادتها إلى سياقها الحضاري والتاريخي.
كما أن التبادل الثقافي يظل أحد المجالات التي يمكن من خلالها تعزيز المعرفة المتبادلة بين الشعوب، خاصة عندما تتاح الفرصة للتعرف على تاريخ وفنون وثقافات الطرف الآخر بصورة مباشرة.
الفن في مواجهة الخلافات.. الثقافة تفتح أبواب التواصل
وتأتي أهمية المشهد من كون الزيارة جمعت بين عقيلتي رئيسي دولتين لهما حضور كبير على الساحة الدولية، في مكان مخصص بالأساس للفن والثقافة، وليس للمفاوضات أو الاجتماعات السياسية.
وهنا يظهر الدور المختلف للثقافة، فهي تتيح مساحة للحوار الإنساني، وتمنح الشعوب فرصة للتعرف على بعضها البعض من خلال الفن واللغة والتراث، بعيدًا عن التعقيدات التي قد تفرضها الملفات السياسية والاقتصادية.
ومن هذه الزاوية، حملت الزيارة رسالة تتعلق بأهمية عدم ترك العلاقات بين الشعوب رهينة للخلافات السياسية، وإبقاء قنوات التواصل الثقافي مفتوحة، بما يسمح للأجيال الجديدة بالتعرف على ثقافات مختلفة وبناء علاقات تقوم على المعرفة والتفاهم.
أغاني صينية بأصوات أمريكية.. رسالة من جيل جديد
وعقب الجولة داخل المتحف، شاهدت بنغ لي يوان وميلانيا ترامب عرضًا غنائيًا قدمته مجموعة من الفتية الأمريكيين، أنشدوا خلاله أغاني باللغة الصينية.
ولم يتوقف المشهد عند العرض الغنائي، حيث تبادلت بنغ وميلانيا أحاديث ودية مع الفتية المشاركين، في لقاء منح الزيارة بعدًا إنسانيًا واضحًا، وربط بين الثقافة والفن وبين الأجيال الجديدة.
وشجعت بنغ لي يوان الفتية الأمريكيين على مواصلة دراسة اللغة والثقافة الصينيتين، وأن يصبحوا سفراء للصداقة بين الصين والولايات المتحدة.
وتحمل هذه الرسالة أهمية خاصة، لأن تعلم اللغة يمثل أحد أهم مفاتيح التعرف على ثقافة الشعوب، كما أن انخراط الشباب في دراسة لغة وثقافة بلد آخر يمكن أن يفتح أمامهم مساحات أوسع للتواصل والفهم المتبادل.
الشباب.. سفراء الصداقة بين الشعوب
ويبرز حضور الفتية الأمريكيين في الزيارة باعتباره أحد أكثر مشاهدها دلالة، فالرسالة لم تكن موجهة فقط إلى المؤسسات الرسمية، وإنما إلى جيل جديد يمكنه أن يكون طرفًا في صياغة مستقبل العلاقات الإنسانية والثقافية بين الشعوب.
ومن خلال الغناء باللغة الصينية، قدم هؤلاء الشباب نموذجًا عمليًا لكيفية تحول الثقافة واللغة إلى وسيلة للتواصل، وليس مجرد مواد دراسية أو معروضات داخل المتاحف.
كما أن تشجيعهم على الاستمرار في دراسة اللغة والثقافة الصينيتين يعكس أهمية الاستثمار في المعرفة الثقافية، باعتبارها وسيلة لبناء جسور طويلة المدى بين المجتمعين الصيني والأمريكي.
المتحف الوطني للفنون الآسيوية.. ذاكرة حضارية في قلب واشنطن
ويُذكر أن المتحف الوطني للفنون الآسيوية يعد مؤسسة أمريكية مرموقة مكرسة لجمع الفنون الآسيوية وعرضها وإجراء البحوث بشأنها، وهو ما يمنح الزيارة أهمية إضافية، باعتبار أن المكان نفسه يمثل مساحة للتعريف بالحضارات والثقافات الآسيوية أمام الجمهور الأمريكي والدولي.
وتعكس مقتنيات المتحف التنوع الكبير الذي تتميز به الفنون الآسيوية، وتوفر للزائر فرصة للاطلاع على جوانب من تاريخ وحضارات شعوب متعددة، وهو ما يجعل المتحف أكثر من مجرد قاعات لعرض الأعمال الفنية.
ومن هنا، جاءت زيارة بنغ لي يوان وميلانيا ترامب لتجمع بين الفن والتراث والتعليم والتواصل الإنساني، في مشهد حمل أكثر من رسالة، بداية من تقدير جهود إعادة القطع الأثرية الصينية، مرورًا بالدعوة إلى تعزيز التعاون الثقافي، وصولًا إلى تشجيع الشباب الأمريكي على دراسة اللغة والثقافة الصينيتين.
رسالة أخيرة من بين جدران الفن
في النهاية، بدت الزيارة وكأنها تذكير بالدور الذي يمكن أن تلعبه الثقافة عندما تفتح السياسة أبوابها للحوار، فالمتاحف لا تحفظ الماضي فقط، وإنما يمكن أن تتحول إلى مساحات للتعارف وصناعة جسور جديدة بين الشعوب.
وبين قاعات المتحف الوطني للفنون الآسيوية، وقاعة الطاووس، وأصوات الفتية الأمريكيين وهم ينشدون باللغة الصينية، حضرت الثقافة كعنوان للتواصل، وحضر التراث باعتباره ذاكرة مشتركة للإنسانية، بينما برز الشباب باعتبارهم جسرًا يمكن أن يحمل رسائل الصداقة إلى المستقبل.
وتبقى الرسالة الأبرز في زيارة بنغ لي يوان وميلانيا ترامب أن العلاقات بين الشعوب لا تُبنى بالسياسة وحدها، وإنما تحتاج أيضًا إلى الثقافة والفن والتعليم، وإلى أجيال تعرف بعضها البعض قبل أن تحكم على بعضها البعض.


