التخطي إلى المحتوى

 

علاء قنديل يكتب 

كيف صنعت أم ثورية قائدًا يؤمن بأن خدمة الشعب أعظم إنجاز؟..

وأسرار التربية التي صنعت قائدًا يضع الشعب أولًا

في تفاصيل الحياة اليومية البسيطة، تختبئ أحيانًا أعظم الحكايات الإنسانية. قطعة قماش قديمة، حقيبة صغيرة خيطتها أم بيديها، أو رسالة قصيرة تحمل نصيحة صادقة.. كلها أشياء تبدو عابرة، لكنها قادرة على تشكيل شخصية إنسان، بل وربما صناعة قائد يؤمن أن خدمة الناس هي المعنى الحقيقي للحياة.

في يناير عام 1969، كان شي جين بينغ شابًا لم يتجاوز السادسة عشرة من عمره، يستعد لرحلة قاسية إلى قرية ليانغجياخه في شمال شنشي، حيث الحياة الريفية الصعبة والعمل الشاق. وبينما كان يتهيأ للمغادرة، جلست والدته “تشي شين” تخيط له حقيبة صغيرة بيديها، وكتبت عليها ثلاثة رموز صينية تحمل معنى واحدًا عميقًا: “قلب الأم”.

لم تكن تلك الحقيبة مجرد متاع سفر، بل كانت رفيقًا إنسانيًا ظل ملازمًا له طوال سبع سنوات كاملة، شاهدة على سنوات التكوين الأولى، وعلى رحلة التحول من فتى صغير إلى رجل يحمل مسؤولية وطن.

لكن سر الحكاية لا يكمن فقط في الحقيبة، بل في المرأة التي صنعتها.

فـ”تشي شين” لم تكن أمًا تقليدية، بل مقاتلة ثورية عاشت سنوات الحرب، وعملت وسط القرى والقواعد الشعبية، وعرفت معنى معاناة الناس البسطاء. كانت تؤمن أن قيمة الإنسان الحقيقية تُقاس بما يقدمه للآخرين، لا بما يملكه لنفسه.

ومنذ طفولته، تربّى شي جين بينغ على تلك المبادئ؛ التواضع، والانضباط، واحترام الناس، والعمل من أجلهم. حتى عندما انتقل من شمال شنشي إلى تشنغدينغ، ظل يحمل معه لحافًا قديمًا صنعته والدته من بقايا ملابس منزلية مرقعة بأكثر من مائة قطعة قماش صغيرة. وحين اقترح أحد العاملين استبداله بآخر جديد، رفض بهدوء قائلاً: “ما لديّ جيد بما يكفي”.

ذلك المشهد البسيط يكشف جانبًا مهمًا من تكوين الشخصية؛ فالقيم التي تُزرع داخل البيوت تبقى أطول عمرًا من المناصب والمظاهر.

لقد نشأ شي جين بينغ في منزل يؤمن بأن الإنسان الحقيقي هو من يبقى قريبًا من الناس مهما علت مكانته. ومن قلب الأرض الصفراء في شمال شنشي، بدأت رحلة رجل ظل يردد أن “خدمة الشعب هي أعظم إنجاز”، وأن محبة الناس والسعي لتحسين حياتهم ليست شعارات سياسية، بل مسؤولية أخلاقية وإنسانية.

حتى بعد وصوله إلى المناصب القيادية العليا، لم تتوقف نصائح والدته. كانت ترسل له الرسائل باستمرار، تذكّره بأن “المناصب العليا تعني مسؤوليات أكبر ووحدة أثقل”، وتطالبه دائمًا بأن يكون صارمًا مع نفسه قبل الآخرين.

أما عبارتها الأقرب إلى قلبها فكانت:
“اعمل جيدًا، وتعلّم جيدًا، وأنجز كل شيء بأفضل صورة ممكنة”.

ربما لهذا السبب تبقى بعض الأمهات حاضرات في حياة أبنائهن حتى وهم يقودون دولًا وشعوبًا. فالأم لا تمنح أبناءها الحياة فقط، بل تمنحهم البوصلة التي تحدد كيف يعيشونها.