التخطي إلى المحتوى

كتب علاء قنديل

التعليم النموذجي بالقليوبية.. عندما يلتقي الفكر الأوروبي بالهوية الأزهرية الأصيلة.

بصمات الدكتورة رباب عادل: من الانضباط والعدالة إلى المنافسة الدولية للغات والمدارس الخاصة.

 

 

في وقت يشهد فيه التعليم الأزهري تحولات جذرية ونقلات نوعية متسارعة، برزت منطقة القليوبية الأزهرية كنموذج يسعى إلى مواكبة التطوير والتحديث، بفضل رؤية قيادية لا تكل ولا تمل، واستراتيجية تجمع بين الصرامة التنظيمية والتجديد التربوي، وفي قلب هذه التجربة تقف الدكتورة رباب عادل، مدير التعليم النموذجي بمنطقة القليوبية الأزهرية، والمنسق العام لنادي اللغة الإنجليزية بالمحافظة، والتي استطاعت خلال فترة وجيزة أن تضع ملامح جديدة للتعليم النموذجي، وأن تدفع المعاهد النموذجية واللغات نحو مستوى أكثر تطورًا وقدرة على المنافسة.

الأزهر النموذجي بالقليوبية.. نقلة نوعية تنافس المدارس الخاصة وتحافظ على الهوية

وتتعامل الدكتورة رباب عادل مع التعليم النموذجي باعتباره مشروعًا متكاملًا لبناء الإنسان، وليس مجرد منظومة دراسية تقوم على المناهج والامتحانات، ولذلك كان التطوير بالنسبة إليها عملية مستمرة تشمل الفكر والأداء والبيئة التعليمية والانضباط والأنشطة واللغات، إلى جانب الاهتمام بالطالب باعتباره محور العملية التعليمية وهدفها الأساسي.

ومن هنا جاءت رؤيتها القائمة على الاستفادة من الفكر والأساليب التعليمية الحديثة، وخاصة التجارب ذات الطابع الأوروبي، ولكن بصورة تتناسب مع طبيعة المجتمع المصري وعاداته وتقاليده وقيمه، فلا يكون التطوير مجرد نقل أعمى لتجارب خارجية، وإنما صياغة واعية لنموذج تعليمي حديث يحمل روح العصر، ويحافظ في الوقت نفسه على الهوية المصرية وثوابت التعليم الأزهري، وهو ما يمثل المعادلة الأصعب في أي عملية تطوير حقيقية.

نادي اللغة الإنجليزية بالمنطقة الأزهرية: بوابة أبناء القليوبية نحو معايير التعليم الحديث.

فالتحديث من وجهة نظرها لا يعني التخلي عن الأصالة، والانفتاح على العالم لا يعني التفريط في الهوية، وإنما يمكن للطالب الأزهري أن يتعلم أحدث الأساليب والمهارات، وأن يتقن اللغات ووسائل التواصل الحديثة، وفي الوقت نفسه يظل مرتبطًا بقيمه ودينه ولغته وثقافته، ليصبح قادرًا على التعامل مع العالم من حوله بثقة ووعي، دون أن يفقد خصوصيته وهويته.

ولم يتوقف هذا الفكر عند حدود المناهج أو الأفكار النظرية، بل امتد إلى الواقع العملي، من خلال الاهتمام بالأنشطة والفعاليات وتطوير قدرات الطلاب، وهو ما يتضح بصورة خاصة في دور الدكتورة رباب عادل كمنسق عام لنادي اللغة الإنجليزية بالقليوبية، حيث تسعى إلى تحويل اللغة من مادة دراسية إلى وسيلة حقيقية للتواصل واكتساب المهارات وبناء الشخصية، وإتاحة الفرصة أمام الطلاب للتعبير والمشاركة والتفاعل، بما يساعدهم على امتلاك أدوات المستقبل.

“روح القانون والمكتب المفتوح”.. فلسفة إدارة أعادت بناء الثقة في المعاهد النموذجية.

وتؤمن الدكتورة رباب بأن الطالب الذي يحصل على تعليم أزهري قوي يجب ألا يكون بعيدًا عن متطلبات العصر، ولذلك تعمل على الجمع بين العلوم الشرعية والعربية وبين المهارات اللغوية والتواصلية الحديثة، لتقديم شخصية أزهرية متوازنة، واثقة من نفسها، قادرة على التعبير عن دينها ووطنها، ومؤهلة في الوقت نفسه للتعامل مع المتغيرات المتسارعة من حولها.

من “روح القانون” إلى “طفرة اللغات”.. المدارس النموذجية بالقليوبية تتصدر المشهد التعليمي برؤية إدارية لا تكل.

ولا يمكن فصل هذه الرؤية التطويرية عن البيئة التنظيمية المستقرة، وهو ما جعل توفير الأجواء الملائمة للطلاب خلال الاختبارات والتقييمات أحد الملفات التي تحظى باهتمام كبير، حيث تشدد الدكتورة رباب عادل على ضرورة الالتزام بالتعليمات والضوابط المنظمة لأعمال الامتحانات، وتوفير الهدوء والانضباط داخل اللجان، بما يضمن تحقيق العدالة وتكافؤ الفرص بين جميع المتقدمين، ويجعل نتيجة الاختبار تعبيرًا حقيقيًا عن مستوى الطالب دون تدخل أو مجاملة.

وتدرك أن العدالة في التعليم ليست شعارًا يقال، وإنما ممارسة يومية تبدأ من تنظيم الامتحان، وتمر بطريقة التعامل مع الطلاب، وتنتهي بمنح كل طالب حقه كاملًا، ولذلك تحرص على أن تكون القواعد واضحة، وأن يلتزم بها الجميع، لأن نجاح أي منظومة تعليمية لا يمكن أن يتحقق من دون الانضباط والشفافية والمساواة.

وفي الجانب الإداري، تقدم الدكتورة رباب عادل نموذجًا مختلفًا في التعامل، فمكتبها مفتوح للجميع، للمعلمين والعاملين وأولياء الأمور والطلاب، ولا ترى في التواصل المباشر عبئًا إداريًا، وإنما تعتبره وسيلة لفهم الواقع والاستماع إلى المشكلات والمقترحات والوصول إلى حلول عملية.

وتعتمد في إدارتها على تطبيق روح القانون، وليس فقط الوقوف عند نصوصه بصورة جامدة، وهو ما يعني بالنسبة إليها تحقيق التوازن بين الالتزام باللوائح ومراعاة الظروف الإنسانية والمواقف المختلفة، من دون الإخلال بحقوق الآخرين أو المساس بمبدأ العدالة، فالقانون في النهاية وُضع لتنظيم العمل وحماية الحقوق، وليس لتعقيد حياة الناس.

هذا النهج الإداري ساعد على خلق بيئة أكثر هدوءًا وتعاونًا، تقوم على الحوار والانتماء والشعور بالمسؤولية المشتركة، كما منح العاملين مساحة لطرح أفكارهم ومشكلاتهم، وأولياء الأمور شعورًا بأن هناك من يستمع إليهم ويتابع ما يخص أبناءهم، وهو ما ينعكس في النهاية على استقرار العملية التعليمية.

ولا تتوقف المتابعة عند إصدار التعليمات، وإنما تمتد إلى أرض الواقع، من خلال متابعة الأداء، ورصد أوجه القصور، والاستماع إلى الميدان، ومحاولة معالجة المشكلات أولًا بأول، لأن التطوير الحقيقي لا يتحقق بقرار واحد، وإنما يحتاج إلى جهد مستمر وإصرار ومراجعة وتصحيح للمسار كلما ظهرت الحاجة إلى ذلك.

والنتيجة التي تسعى إليها هذه المنظومة هي أن تتحول المعاهد الأزهرية النموذجية إلى مؤسسات تعليمية تمتلك القدرة على المنافسة الحقيقية، سواء من حيث مستوى التعليم أو اللغات أو الأنشطة أو الانضباط أو البيئة التعليمية أو مستوى الأداء، بحيث لا يصبح اختيار ولي الأمر للتعليم الأزهري النموذجي بديلًا اضطراريًا، وإنما اختيارًا واعيًا يقوم على الثقة في جودة ما يقدمه.

وهنا بدأت الصورة التقليدية عن التعليم النموذجي في القليوبية تتغير تدريجيًا، مع السعي إلى تقديم نموذج يستطيع أن يضاهي أفضل النماذج التعليمية الحديثة، وأن ينافس المدارس الخاصة ومدارس اللغات، دون أن يتخلى عن هويته الأزهرية أو خصوصيته المصرية، وهي معادلة تحتاج إلى قيادة تمتلك رؤية واضحة وإرادة حقيقية للتطوير.

إن ما تسعى إليه الدكتورة رباب عادل ليس مجرد تحسينات شكلية أو إجراءات مؤقتة، وإنما محاولة لإحداث نقلة نوعية في الفكر والأداء، تجعل التعليم النموذجي أكثر انفتاحًا على العصر، وأكثر قدرة على اكتشاف إمكانات الطلاب وتنمية مهاراتهم، وفي الوقت نفسه أكثر تمسكًا بالقيم التي تميز التعليم الأزهري.

وتكشف هذه التجربة عن قناعة أساسية بأن الأزهر الشريف قادر على أن يكون في صدارة التطوير، وأن الحفاظ على الهوية لا يتعارض مع الحداثة، بل يمكن أن يصبح عنصر قوة عندما تتم إدارة التطوير بوعي يحترم الماضي ويستفيد من الحاضر ويستعد للمستقبل.

وبين الانضباط والمرونة، وبين روح القانون والانفتاح على الجميع، وبين الفكر الحديث والهوية الأزهرية، تتحرك الدكتورة رباب عادل في مسار يبدو هدفه واضحًا، وهو بناء منظومة تعليمية نموذجية لا تكتفي بالحفاظ على ما تحقق، وإنما تبحث دائمًا عن الأفضل، وتضع الطالب في قلب الاهتمام، وتعتبر نجاحه الحقيقي هو المقياس الأهم لأي تطوير.

وفي النهاية، فإن تجربة التعليم النموذجي بالقليوبية تمثل نموذجًا يؤكد أن التطوير لا يبدأ بالمباني والمظاهر، وإنما يبدأ بالفكر، وأن النقلة الحقيقية تصنعها قيادة تؤمن برسالتها، وتتابع التفاصيل، وتفتح بابها للجميع، ولا تتوقف عن البحث عن حلول وأفكار جديدة، وهو ما تحاول الدكتورة رباب عادل ترسيخه من خلال عملها الدائم وسعيها المستمر إلى الارتقاء بالتعليم النموذجي، لتظل المعاهد الأزهرية قادرة على المنافسة، وقريبة من احتياجات العصر، ومتمسكة في الوقت نفسه بهويتها وقيمها ورسالتها.

 

المصدر: الحقيقة نيوز