تحقيق يكتبة علاء قنديل
دون مذكرات الحسرة لجولدا مائير وكيسنجر المهندس الأول لأكبر خطة خداع في التاريخ
الحديث لم تكن خطة الخداع الإستراتيجي لحرب أكتوبر 1973 مجرد تدريبات عسكرية أو تحركات ميدانية، بل كانت رؤية وتنسيقاً مباشرين من الرئيس محمد أنور السادات. استطاع السادات بدهاء سياسي وعسكري نادر أن ينوّم أعتى أجهزة الاستخبارات العالمية مغناطيسياً، معتمداً على فهم دقيق للنفسية الغربية والإسرائيلية التي كانت تنظر إلى التصريحات والتحركات العربية بقدر من الاستهانة.1. دور السادات المباشر في إدارة وتنفيذ خطة الخداعتولى السادات بنفسه قيادة المحاور السياسية والدبلوماسية لخطة التمويه، متبعاً أسلوب “تصدير العجز”:إيهام العالم بضعف الجبهة الداخلية: حرص السادات على إظهار مصر وكأنها تعيش حالة من التفكك السياسي والاقتصادي، وسرّب من خلال اتصالاته وإعلامه انطباعات تُفيد بأن الجيش غير قادر على شن حرب تشارك فيها أسلحة حديثة.قرار طرد الخبراء السوفيت (1972):

اتخذ السادات هذا القرار المصيري لضرب عصفورين بحجر واحد؛ تحرير القرار العسكري المصري من الوصاية السوفيتية، وإقناع المخابرات الأمريكية والإسرائيلية بأن الجيش المصري قد فقد ظهيره الفني والصياني وأصبح عاجزاً عن تشغيل حائط الصواريخ والأسلحة الثقيلة.لعبة “عام الحسم” والمناورات: تعمد السادات إعلان “عام الحسم” أكثر من مرة ثم تأجيله، مما جعل الغرب وإسرائيل يعتادون على تهديداته ويتعاملون معها على أنها “فرقعة إعلامية” للاستهلاك المحلي فقط.السرية المطبقة وشفرة الموعد: حفظ السادات موعد الحرب في أضيق نطاق؛ فلم يعلم بالساعة والدقيقة سوى عدد لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة، مما حرم أجهزة الرصد المتقدمة من التقاط أي إشارة مبكرة.2. حسرة جولدا مائير: انكسار الكبرياء وسقوط الأسطورةتلقت رئيسة الوزراء الإسرائيلية جولدا مائير الصدمة الأكبر في تاريخ إسرائيل، حيث تحول الاطمئنان المطلق إلى كابوس وحسرة عميقة:العمى الاستخباراتي:

اعتمدت مائير كلياً على تقارير جهاز المخابرات العسكرية (أمان) التي أكدت حتى صباح السادس من أكتوبر أن السادات لن يجرؤ على الحرب.مرارة المذكرات: كتبت جولدا مائير في مذكراتها الشهيرة (حياتي) بعين الحسرة والذهول عن لحظة اندلاع الحرب:”لن أكتب عن ظروف حرب أكتوبر كمعركة عسكرية، بل ككارثة ثقيلة وكابوس أليم سيبقى معي إلى الأبد.. كيف خدعنا السادات بهذه البساطة والعبقرية؟”3. ذهول الـ CIA والـ MI6: سقوط أقوى شبكات المخابراتشكل يوم السادس من أكتوبر ضربة قاضية لسمعة وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية ($CIA$) والاستخبارات البريطانية ($MI6$):العمى التكتيكي: ورغم ملكية هذه الأجهزة لأحدث أقمار الصناعي وأجهزة الجاسوسية، إلا أنها فسّرت التحشيد المصري على ضفة القناة على أنه مجرد “مناورة روتينية شتوية”.تقارير الفشل: كشفت الوثائق المفرج عنها لاحقاً أن الـ $CIA$ أعدت تقريراً للبيت الأبيض صبيحة يوم 6 أكتوبر يؤكد عدم وجود نية لدى مصر للحرب، ليوصف هذا التقييم في أروقة واشنطن بأنه أكبر إخفاق تحليلي استخباراتي منذ هجوم بيرل هاربر.4.

شهادة كيسنجر: وصف السادات بـ “الثعلب والدهاء المطلق”كان وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر من أكثر الشخصيات التي عبّرت عن ذهولها من دهاء السادات وفكره الإستراتيجي:الاستهانة التي سبقت العاصفة: كان كيسنجر يتعامل مع مطالب السادات الدبلوماسية بقلة اهتمام، معتقداً أن مصر لا تملك خيار القوة ولا تستطيع تغيير المعادلة.الاعتراف بالدهاء والعبقرية: عقب الحرب، غيّر كيسنجر رأيه تماماً، وكتب في مذكراته وشهاداته التاريخية متحدثاً عن عبقرية السادات:”لقد أثبت السادات أنه رجل دولة ودبلوماسي من الطراز الأول.. خدعنا جميعاً بدهائه الصامت. لم يكن يحارب لمجرد تحرير الأرض، بل خاض الحرب بعبقرية ليغير معادلة القوى في الشرق الأوسط ويجبرنا على الجلوس إلى طاولة المفاوضات بشروطه.”
