التخطي إلى المحتوى

أفرزت صناديق الاقتراع في إسرائيل (27 أكتوبر) والولايات المتحدة (3 نوفمبر) واقعاً سياسياً مزدوجاً يقلب موازين القوى في المنطقة؛ حيث فقدت حكومة اليمين الإسرائيلية أغلبيتها البرلمانية بالتزامن مع انتزاع الحزب الديمقراطي السيطرة على مجلسي الكونغرس الأمريكي. هذا التقاطع يضع الشرق الأوسط أمام مرحلة جديدة تحكمها أربعة محاور رئيسية:

1. أزمة الحكم في إسرائيل وصعود المعارضة
انسداد برلماني: حصد معسكر بنيامين نتنياهو 53 مقعداً مقابل 48 لمعسكر المعارضة بقيادة رئيس الأركان الأسبق غادي آيزنكوت (حزب “يشار!”)، ما يحرم الطرفين من أغلبية الـ 61 مقعداً اللازمة لتشكيل حكومة مستقرة.

بيضة القبان العربية: برزت الأحزاب العربية (القائمة المشتركة والقائمة الموحدة) كقوة حاسمة بـ 19 مقعداً، ما يجعل تشكيل حكومة بديلة لنتنياهو مستحيلاً حسابياً دون دعمها أو امتناعها عن التصويت من الخارج، وسط صعوبات أيديولوجية قد تدفع إسرائيل نحو انتخابات مبكرة في 2027.

2. الكونغرس الديمقراطي ونهاية “الشيك على بياض”
تقييد المساعدات العسكرية: مع سيطرة الديمقراطيين على مجلسي النواب والشيوخ وصعود التيار التقدمي، ستخضع حزم الدعم العسكري لإسرائيل لتدقيق برلماني غير مسبوق، مع ضغوط متزايدة لربط التسليح بشروط سياسية وإنسانية تخص غزة والضفة الغربية.

فقدان الغطاء السياسي: لم يعد بإمكان نتنياهو — في حال استمراره — الاعتماد على الكونغرس لموازنة ضغوط البيت الأبيض، ما يعزز فرص قادة المعارضة (مثل آيزنكوت) باعتبارهم الأقدر على ترميم العلاقات المتصدعة مع واشنطن.

3. فرملة التصعيد الإقليمي مع إيران
رسالة الناخب الأمريكي: جاءت خسارة الجمهوريين في الانتخابات النصفية كعقوبة مباشرة على التورط العسكري في المواجهة مع إيران وتداعياتها الاقتصادية على تكاليف المعيشة في الداخل الأمريكي.

انحسار خيار الحرب الشاملة: سيستخدم الكونغرس الجديد صلاحياته التشريعية والمالية لتقييد أي مغامرة عسكرية واسعة في الشرق الأوسط، ما يحرم إسرائيل من الغطاء العسكري الأمريكي اللازم لفتح جبهة مفتوحة ضد طهران، ويحصر هامش مناورة الرئيس دونالد ترامب في فترة “البطة العرجاء” (حتى يناير 2027) بين خيار التسوية السريعة أو الضربات المحدودة.

4. انعكاسات مباشرة على ملفات المنطقة
غزة ولبنان: يتزايد الزخم الدولي والأمريكي لإنهاء حالة الاستنزاف العسكري والانتقال إلى ترتيبات أمنية وسياسية مستدامة، وتثبيت تهدئة طويلة الأمد على الحدود اللبنانية لتجنب أزمة طاقة وتضخم عالمي جديد.

تنامي الدور العربي: تمنح التحولات في واشنطن وتل أبيب العواصم العربية المحورية — وفي مقدمتها القاهرة والرياض — هامش حركة أوسع لفرض رؤيتها في ملفات التهدئة، وإعادة الإعمار، وربط أي مسار للتكامل الإقليمي بضمانات حقيقية لحل الدولتين.

تتجه المنطقة نحو مرحلة التهدئة الاضطرارية وإعادة التموضع؛ فواشنطن باتت مقيدة بمزاج شعبي وكونغرس ديمقراطي يرفضان الحروب الخارجية، وتل أبيب غارقة في أزمة ائتلافية تفقدها حرية المناورة العسكرية، مما يفتح الباب أمام أولوية الحلول الدبلوماسية على حساب التصعيد المفتوح.