التخطي إلى المحتوى

الدكتورة نرمين عدلي تكتب:

صدى الصوت قبل القرار..

حين يصبح “الاستماع” أقصر الطرق لبناء الإنسان المصري..

المواطن ليس رقمًا في معادلة التنمية..

صوته مفتاح الإصلاح وبناء الإنسان

ما وراء الشكوى حكاية إنسان.. وما وراء الحوار مسؤولية دولة

استمعوا إلى الناس.. فبين وجع الواقع وأمل المستقبل تبدأ رحلة الإصلاح

من الحوار إلى صناعة القرار.. كيف يتحول الاستماع إلى المواطن من شعار إلى واقع يلمسه الناس في حياتهم اليومية؟

في لحظات الحوار الوطني الجاد، لا تُقاس قيمة النقاش بكثرة الكلمات التي تُقال، ولا بعدد الرؤى التي تُطرح، وإنما بمدى قدرتنا على فهم الإنسان الذي نتحدث باسمه، والاقتراب من احتياجاته الحقيقية، وتحويل ما يطرحه من آمال وشكاوى وتحديات إلى خطوات عملية تُحدث فارقًا ملموسًا في حياته.

ومن هذا المنطلق، جاءت متابعتي لجلسات بناء الإنسان وصحة المواطن والجلسات الختامية بمنتدى مصر لتطرح أمامي تساؤلًا جوهريًا يستحق التأمل: هل نستمع إلى المواطن بالقدر الكافي، أم أننا ما زلنا نتحدث إليه أكثر مما نستمع إليه؟

إن الإجابة عن هذا السؤال تمثل نقطة انطلاق أساسية نحو بناء مجتمع أكثر وعيًا وتماسكًا، ودولة أكثر قدرة على فهم احتياجات أبنائها والاستجابة لتطلعاتهم.

وفي هذا السياق، أتوجه بخالص الشكر والتقدير إلى فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي على تبني فكرة المنتدى، والاهتمام بقضايا الإصلاح والتطوير وبناء الإنسان المصري، والحفاظ على مقدرات الوطن، انطلاقًا من رؤية تستهدف التعامل مع تحديات الحاضر والاستعداد لمتطلبات المستقبل.

بناء الإنسان يبدأ من فهمه.. لا من إصدار الأحكام عليه

إن بناء الإنسان المصري لا يمكن اختزاله في مجموعة من المبادرات أو البرامج التوعوية أو الخدمات المقدمة، مهما بلغت أهميتها؛ فالبناء الحقيقي يبدأ من الإنسان ذاته، من فهم أفكاره، واحترام مشاعره، وتقدير ظروفه، والاستماع إلى صوته دون استعلاء أو أحكام مسبقة.

فالإنسان ليس مجرد متلقٍ للقرارات، وإنما شريك أصيل في تحديد احتياجاته، والمشاركة في مناقشة الحلول المناسبة لمشكلاته. وكلما اتسعت مساحة الحوار الحقيقي بين المواطن والمؤسسات المعنية، ازدادت فرص الوصول إلى حلول أكثر واقعية وقدرة على الاستمرار.

ومن هنا، تبرز أهمية أن يكون الاستماع إلى المواطن ممارسة مؤسسية مستمرة، لا مجرد فقرة ضمن جلسة حوارية أو مناسبة تنتهي بانتهاء فعالياتها.

صحة المواطن تبدأ أيضًا من راحته النفسية والشعور بأن صوته مسموع

عندما نتحدث عن صحة المواطن، يجب ألا يقتصر مفهومنا على الرعاية الطبية والعلاج والخدمات الصحية، بل ينبغي أن يمتد إلى فهم الضغوط النفسية والاجتماعية التي يتعرض لها الإنسان في حياته اليومية.

فأعباء المعيشة، ومتطلبات الأسرة، وضغوط العمل، والتحديات الاجتماعية قد تتراكم داخل الإنسان، فتجعله في حاجة إلى مساحة آمنة يستطيع من خلالها التعبير عما يشعر به، وطرح مشكلاته، وشرح ما يواجهه دون خوف من التقليل من معاناته أو الحكم على موقفه.

وأرى أن من أهم الرسائل التي ينبغي أن نخرج بها من مثل هذه المنتديات ضرورة إتاحة الفرصة للمواطن كي يتحدث بحرية، وأن يجد من يستمع إليه باهتمام، ويتعامل مع شكواه بجدية، ويحترم حقه في التعبير عن رأيه.

فأحيانًا، تكون البداية الحقيقية لحل المشكلة هي أن يشعر صاحبها بأن هناك من يفهمه، وأن معاناته ليست أمرًا هامشيًا، وأن صوته لن يضيع وسط الإجراءات والملفات.

لا تطلب من المواطن أن يغيّر فكره قبل أن تفهم الظروف التي شكّلته

إن الحوار الفعّال لا يقوم على توجيه النصائح من طرف واحد، ولا على مطالبة المواطن بتغيير أفكاره دون محاولة فهم الأسباب التي أدت إلى تكوينها.

بل يبدأ الحوار الحقيقي بطرح الأسئلة الصحيحة، والاستماع إلى التجارب المختلفة، وفهم الظروف المحيطة بالمواطن، ثم مناقشة الأفكار بهدوء واحترام، بما يفتح الطريق أمام بناء الثقة وتعزيز الوعي.

فليس المطلوب أن نتحدث إلى المواطن طوال الوقت، وإنما أن نمنحه المساحة الكافية ليتحدث إلينا. وليس الهدف أن نثبت له أننا نملك الإجابات جميعها، بل أن نعمل معه للوصول إلى إجابات وحلول أكثر ملاءمة لواقعه.

وهنا تظهر القيمة الحقيقية للحوار المجتمعي؛ فهو ليس مجرد تبادل للآراء، بل وسيلة لبناء جسور الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، وتوسيع المشاركة، وتعزيز الشعور بالمسؤولية المشتركة تجاه مستقبل الوطن.

من الشكوى إلى الحل.. كيف نضمن ألا ينتهي الحوار بانتهاء الجلسات؟

في تقديري، فإن التحدي الأهم لا يتمثل فقط في فتح أبواب الحوار، وإنما في بناء آلية واضحة تضمن انتقال ما يُطرح خلاله إلى مرحلة المتابعة والتنفيذ.

ومن الضروري العمل على تطوير منظومة متكاملة لاستقبال شكاوى المواطنين ومقترحاتهم، وتصنيفها وفق طبيعتها وأولوياتها، وإحالتها إلى الجهات المختصة، ومتابعة ما يُتخذ بشأنها، مع إتاحة المعلومات المتعلقة بالنتائج في إطار من الشفافية والمساءلة.

كما أن وجود مؤشرات واضحة لقياس الاستجابة، وآليات معلنة لمتابعة الشكاوى، من شأنه أن يساعد على تقييم الأداء، وتحديد أوجه القصور، وتطوير السياسات والخدمات وفقًا للاحتياجات الفعلية للمواطنين.

فالحوار الذي لا تتبعه خطوات عملية قد يفقد تأثيره بمرور الوقت، أما الحوار الذي يقترن بالمتابعة والجدية والنتائج، فإنه يتحول إلى أداة حقيقية للإصلاح والتطوير.

المواطن يريد أن يرى صوته في القرار.. وأثر الحوار في حياته

إن المواطن لا ينتظر مجرد الاستماع إلى شكواه، بل يتطلع إلى معرفة ما الذي حدث بعد أن تحدث، وما إذا كانت مشكلته قد وصلت إلى الجهة المعنية، وما الخطوات التي اتُخذت للتعامل معها.

ومن هنا، فإن نجاح أي تجربة حوارية لا ينبغي أن يُقاس فقط بحجم المشاركة أو تنوع الموضوعات المطروحة، وإنما بقدرتها على إحداث تغيير حقيقي، والاستجابة للمشكلات ذات الأولوية، وتعزيز شعور المواطن بأن مشاركته لها قيمة وأثر.

وهذه المسؤولية تتطلب تعاونًا جادًا بين مختلف المؤسسات والجهات المعنية، إلى جانب الاستفادة من خبرات المتخصصين ومقترحات المواطنين، حتى تصبح الحلول أكثر ارتباطًا بالواقع وأكثر قابلية للتطبيق.

«نظرة إلى اليوم، رؤية للغد».. مسؤولية تبدأ من احتياجات الناس

إن شعار المنتدى «نظرة إلى اليوم، رؤية للغد» يحمل رسالة مهمة تتجاوز حدود التعبير عن الطموحات؛ فهو يدعونا إلى النظر بواقعية وصدق إلى أوضاعنا الراهنة، وتحديد التحديات كما هي، دون تجاهل للمشكلات أو ابتعاد عن احتياجات المواطنين الفعلية.

وفي الوقت نفسه، يدعونا إلى بناء رؤية للمستقبل تقوم على التخطيط الواعي، والاستفادة من الحوار، وترتيب الأولويات، وتحويل الأفكار إلى سياسات وبرامج قابلة للتنفيذ والتقييم.

فالمستقبل الأفضل لا يُبنى بالتمنيات وحدها، وإنما بالعمل الجاد، والاستماع المسؤول، والتخطيط العلمي، والمشاركة المجتمعية، والقدرة على مراجعة التجارب وتصحيح المسار كلما اقتضت الحاجة.

إن بناء الإنسان المصري مسؤولية وطنية مشتركة، تتطلب أن نضع كرامته واحتياجاته في صدارة الاهتمام، وأن نجعل من الحوار وسيلة للفهم، ومن الفهم أساسًا للقرار، ومن القرار بداية للتغيير الحقيقي.

وفي الختام، أحيّي بكل تقدير كل جهد مخلص يسعى إلى الإصلاح والتطوير وبناء الإنسان المصري، وأؤكد أن الحوار الناجح هو الذي يجمع بين حسن الاستماع وصدق الاستجابة، وبين وضوح الرؤية وتحمل المسؤولية، وبين طموحات الوطن واحتياجات المواطن.

فحين يشعر المواطن بأن صوته مسموع، وأن رأيه محل تقدير، وأن شكواه تجد طريقها إلى الحل، يصبح شريكًا حقيقيًا في البناء، لا مجرد متلقٍ لنتائجه.

حفظ الله مصر قيادةً وشعبًا، ووفقنا جميعًا لما فيه خير الوطن، وصون كرامة الإنسان، وصناعة مستقبل أفضل للأجيال القادمة.

الدكتورة نرمين عدلي

وكيل كلية الطب لشؤون خدمة المجتمع وتنمية البيئة

المصدر: الحقيقية نيوز