التخطي إلى المحتوى

علاء قنديل يكتب 

في فجر يوم الخميس، ١١ يونيو ٢٠٢٦، لم يكن سكون الليل في محافظة القليوبية هادئًا كالعادة؛ بل كسرته صرخة استغاثة حرجة هزت أركان قسم الاستقبال بمستشفيات جامعة بنها، إثر وصول طفلة في السابعة من عمرها، تحولت في لحظة غفلة إلى ضحية لحادث مأساوي بعد سقوطها من أعلى مبنى تحت الإنشاء، ليتغلغل في جسدها النحيل “سيخ حديدي” بالكامل، في مسار مرعب كأنه يتحدى قوانين الحياة؛ حيث مر تحت الإبط الأيمن، وعبر أمام القلب والأوعية الدموية الرئيسية مباشرة، ليخرج من أمام الإبط الأيسر، وهي حالة بالغة التعقيد ونادرة الحدوث طبيًا بهذه الكيفية. ولم يكن التعامل مع هذه المعضلة الطبية وليد الصدفة، بل جاء نتاج منظومة صلبة بنيت برؤية استراتيجية واضحة تحت رعاية الأستاذ الدكتور ناصر الجيزاوي، رئيس جامعة بنها، الذي عمل على تحويل المستشفيات الجامعية إلى حصن طبي منيع وقبلة لخدمة أهالينا عبر دعم البنية التحتية وتأهيل الكوادر، وبمتابعة وحوكمة رشيدة من الأستاذ الدكتور محمد الأشهب، عميد كلية الطب ورئيس مجلس إدارة المستشفيات، الذي حرص على ترسيخ ثقافة الجاهزية القصوى وتناغم الأقسام الطبية للتعامل مع حالات الطوارئ الحرجة في أي وقت من ليل أو نهار.

هذا التخطيط القيادي تُرجم ميدانياً على أرض الواقع باستنفار فوري ومنظم قاده الأستاذ الدكتور عمرو الدخاخني، المدير التنفيذي لمستشفيات جامعة بنها، الذي أدار الأزمة باقتدار وتنسيق لحظي عالي المستوى مع رئيس قسم جراحة القلب والصدر، موجهاً باستدعاء الطاقم الجراحي الكامل وتذليل كافة العقبات الإدارية واللوجستية لضمان عدم ضياع ثانية واحدة من عمر الطفلة، بالتوازي مع الدور الإنساني والمجتمعي المحوري الذي قادته الأستاذة الدكتورة نرمين عدلي، وكيل كلية الطب لشؤون خدمة المجتمع وتنمية البيئة، والتي تابعت الأبعاد الإنسانية للواقعة موفرةً الغطاء الشامل والدعم النفسي والاجتماعي اللازم لأسرة الطفلة في تلك الظروف العصيبة، مما أكد أن المستشفى مؤسسة إنسانية متكاملة ترعى المريض طبيًا ومجتمعيًا. وبتوجيه وإشراف مباشر من أ.د/ إبراهيم قصب رئيس قسم جراحة القلب والصدر، وأ.د/ إيهاب سعيد رئيس قسم التخدير، تحولت غرفة العمليات إلى ساحة سباق محتدم ضد الزمن قادها بفدائية وبسالة أ.د/ باسم مفرح عجلان الأستاذ بالقسم ورئيس الفريق الجراحي، ومعه الكوادر الشابة د/ هبة أبو الخير المدرس المساعد، ود/ محمود عيد، ود/ محمد أسامة الأطباء المقيمين بالقسم؛ حيث أجرى الفريق شقًا صدريًا بمنتصف الصدر، وتمكنوا تحت ضغط عصبي ونفسي شديد من السيطرة الكاملة على النزيف الداخلي، وبمهارة جراحية استثنائية تقترب من المعجزة، تم قطع السيخ الحديدي واستخراجه ببطء شديد ومليمتر تلو الآخر لضمان عدم ملامسة أو جرح عضلة القلب، أو الرئتين، أو أي من الشرايين والأوعية الدموية الحيوية المحيطة به، مدعومين بسيمفونية تخديرية رائعة قادها د/ جينا، ود/ عمرو، ود/ إسلام للحفاظ على المؤشرات الحيوية للطفلة مستقرة طوال الساعات الثلاث الشاقة، وبمعاونة ملائكة الرحمة من فريق تمريض عمليات وعناية جراحة القلب والصدر الذين أثبتوا أنهم الأبطال الحقيقيون خلف الكواليس، لتكلل هذه الملحمة الإنسانية العظيمة بفضل الله وتوفيقه بخروج الطفلة بسلام من غرفة العمليات ونقلها إلى العناية المركزة بحالة مستقرة تمامًا، ليبقى هذا الإنجاز المتميز شاهداً على كفاءة المنظومة الطبية والإدارية بجامعة بنها ومستشفياتها.