التخطي إلى المحتوى

 من الاحتجاز إلى التمكين.. ملحمة تاريخية لتطوير المنظومة العقابية تُسجّل شهادة أمان بالقيم الإنسانية

لم تكن الكلمات التي أطلقها فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال مشاركته في فعاليات «منتدى مصر 2026» بالعاصمة الإدارية الجديدة—وتحديداً في جلسة «أمن الوطن والمواطن»—مجرد حديث عابر عن تطوير مرافق الدولة، بل جاءت لتضع النقاط على الحروف وتعلن عن تحول فلسفي ونوعي شامل. فلسفة لم تعد ترى في عقوبة سلب الحرية مجرد أداة للعزل أو الردع المجرد، بل حولتها إلى محطة انطلاق حقيقية لبناء الإنسان، وتأهيله ليعود عضواً نافعاً ومثمراً في مجتمعه فور انقضاء عقوبته، استناداً إلى استراتيجية أمنية وإنسانية متكاملة تقودها وزارة الداخلية برؤية واضحة ومدروسة.

🏛️ تحديث المفهوم العقابي.. إسدال الستر على السجون التقليدية


ولكي نستوعب عمق هذه الملحمة، يجدر بنا عقد مقارنة بين الصورة الذهنية للسجون التقليدية القديمة المتهالكة التي تجاوزها الزمن، والواقع الملموس اليوم داخل مراكز الإصلاح والتأهيل الحديثة (مثل مراكز وادي النطرون، وبدر، والعاشر من رمضان).

إن التغيير هنا لم يقتصر على المسمى أو إغلاق المباني القديمة، بل امتد لنسف المفهوم العقابي التقليدي وإعادة صياغته وفق أعلى المعايير الدولية للحقوق والكرامة الإنسانية، لتحول هذه المؤسسات النزيل من مجرد محتجز إلى إنسان يخوض تجربة تأهيلية وتثقيفية شاملة.

🏢 هندسة معمارية إنسانية ومجتمعات إنتاجية مصغرة

المتأمل في واقع هذه المراكز يكتشف أنه أمام مجتمعات مصغرة تعج بالحياة والعمل:

عنابر متطورة: اختفت الأسوار الضيقة والمساحات المعتمة، لتفسح المجال لعنابر مصممة وفق أحدث الهندسات المعمارية التي تضمن الإضاءة والتهوية الطبيعية.

منشآت حيوية متكاملة: تضم المراكز ورش عمل، ومستشفيات، ومدارس، ومراكز تدريب مهني، وملاعب رياضية، ومساجد، وكنائس، ودور عرض ثقافية، إضافة إلى أماكن مجهزة للزيارات الأسرية توفر كل سبل الراحة.

🏥 طفرة طبية وقائية وعلاجية خلف الأسوار

على الصعيد الصحي، تشهد مراكز الإصلاح طفرة غير مسبوقة تجعل حق العلاج مبدأً لا يتجزأ من كرامة النزيل:

مستشفيات متخصصة: مراكز طبية مجهزة بأحدث التقنيات تشمل غرف عمليات جراحية متطورة، وحدات غسيل كلوي، ومراكز لعلاج الأورام.

رعاية شاملة: يشارك في تقديم الرعاية كبار الاستشاريين والأطباء، مع تنظيم فحوصات دورية وبرامج وقائية مستمرة تعكس التزام الدولة الكامل بحق النزيل في حياة صحية كريمة.

🛠️ مشروعات إنتاجية وحرفية.. أجر عادل وتأهيل لسوق العمل

تعتمد الفلسفة الجديدة على تحويل فترة العقوبة إلى بيئة مكتشفة للمواهب ومصنع للكفاءات:

منشآت إنتاجية زراعية وصناعية: تضم المراكز مزارع حيوانية وداجنة، وصوباً زراعية، ومصانع متطورة للأثاث والملابس والأغذية.

شهادات معتمدة وأجر عادل: لا تكتفي هذه الورش بشغل وقت النزيل، بل تمنحه تدريباً راقياً يكلل بشهادات خبرة معتمدة تؤهله لسوق العمل فور الإفراج عنه، فضلاً عن تقاضيه أجراً عادلاً مقابل عمله يتيح له دعم أسرته مادياً أثناء فترة احتجازه، مما يعزز لديه الشعور بالاستقلالية والمسؤولية.

📚 الارتقاء الفكري وحفظ الأواصر الأسرية
لم تغفل المنظومة أبعاد بناء الفكر والإنسان:

التعليم والتحصيل العلمي: أتاحت وزارة الداخلية للنزلاء استكمال دراستهم بمختلف المراحل، بدءاً من محو الأمية وصولاً إلى الحصول على الشهادات الجامعية والتخصّصات العليا.

التقويم السلوكي الثقافي: أصبحت المسارح، والمكتبات، ودور العبادة خلايا عمل لتوجيه السلوك نحو القيم الإنسانية السليمة، مما يسهم مباشرة في الحد من ظاهرة العودة للجريمة ويسهل الدمج المجتمعي.

بيئة أسرية كافلة للكرامة: تم إعداد أماكن الزيارات لتكون بيئة صحية وملائمة تجمع النزيل بأسرته في أجواء مفعمة بالإنسانية، مع استخدام التكنولوجيا الحديثة لتسهيل إجراءات التواصل، وهو ما حظي بإشادات واسعة من وفود حقوقية ودبلوماسية دولية زارت المراكز واطلعت ميدانياً على الحقائق.

 الخلاصة
لقد أثبتت وزارة الداخلية أن أمن الوطن والمواطن لا يتحقق بالردع والقوة الشاملة فحسب، بل يكتمل بتطوير الإنسان وإصلاح منظومة العدالة من جذورها.

وجاءت جلسة «أمن الوطن والمواطن» بـ منتدى مصر 2026 لتعلن للعالم أن تجربة مصر في تطوير مراكز الإصلاح والتأهيل باتت نموذجاً إقليمياً ودولياً يُحتذى به، ونقطة مضيئة تؤكد أن الدولة المصرية وهي تبني مستقبلها المشرق، تفتح أبواب الأمل وتمنح الجميع فرصة ثانية لبداية جديدة تحت مظلة القانون والكرامة الإنسانية.

المصدر: الحقيقية نيوز