التخطي إلى المحتوى

علاء قنديل يكتب 

أحمد العرفج يعيد اكتشاف الدهشة.. حين تصبح التفاصيل الصغيرة حياة

حين تفقد الأشياء دهشتها.. كيف نحمي أرواحنا من اعتياد الحياة؟

 

لم يعد السؤال عن الدهشة ترفًا فكريًا يمكن تأجيله، فوسط عالم سريع يتغير كل يوم، تتوالى الأخبار والصور والمواقف حتى أصبح الإنسان يمر على تفاصيل كانت في الماضي قادرة على منحه الفرح أو التأمل، دون أن يتوقف أمامها طويلًا، وكأن كثرة ما نراه ونسمعه جعلتنا نعتاد كل شيء، حتى الأشياء التي كان من المفترض أن تدهشنا.

ومن هنا تأتي أهمية حديث الدكتور احمد العرفج  عن «كيف تحافظ على خاصية الدهشة»، باعتبارها فكرة تتجاوز حدود الحديث عن المشاعر العابرة، لتصل إلى جوهر علاقتنا بالحياة، فالدهشة ليست مجرد لحظة انبهار أمام شيء جديد، لكنها حالة ذهنية تجعل الإنسان أكثر انتباهًا، وأكثر قدرة على السؤال، وأكثر استعدادًا لاكتشاف المعنى الموجود خلف التفاصيل.

والإنسان يولد وفي داخله دهشة فطرية، فالطفل يستطيع أن يقف طويلًا أمام شيء بسيط، يسأل عن كل ما يراه، ويتعامل مع العالم وكأنه يكتشفه للمرة الأولى، لكن مع مرور السنوات تبدأ الأسئلة في التراجع، ويحل مكانها الاعتياد، وتصبح الإجابات الجاهزة أسرع من محاولة البحث، حتى تتحول أشياء كثيرة إلى مجرد خلفية صامتة للحياة.

وهنا تكمن المفارقة، فكلما زادت معرفتنا بالعالم، أصبحنا أكثر عرضة لفقدان الدهشة تجاهه، لأننا نميل إلى تصنيف الأشياء بسرعة، هذا نعرفه، وهذا رأيناه من قبل، وهذا حدث معنا كثيرًا، فنغلق باب السؤال قبل أن نمنح أنفسنا فرصة النظر من زاوية مختلفة.

 

ولعل أخطر ما يهدد الدهشة في زمننا الحالي هو التدفق الهائل للمعلومات، فالهاتف المحمول يضع أمام الإنسان آلاف الصور والأخبار والمقاطع خلال ساعات قليلة، وأصبح الانتقال من حدث إلى آخر يتم في ثوانٍ، الأمر الذي جعل المشهد الذي كان يمكن أن يشغل تفكير الإنسان أيامًا، يتحول إلى خبر عابر قبل أن ينتهي اليوم.

ومع تكرار هذا النمط، تتعرض المشاعر نفسها إلى حالة من الاستهلاك، فلا يعود الإنسان يتوقف طويلًا أمام صورة مؤثرة، أو قصة إنسانية، أو إنجاز استثنائي، لأن المشهد التالي ينتظره مباشرة، وكأن العالم الحديث يدربنا بصورة غير مباشرة على الانتقال المستمر بدلًا من التأمل.

لكن الدهشة لا تحتاج بالضرورة إلى أحداث ضخمة، فقد تكون موجودة في تفاصيل شديدة البساطة، في ابتسامة طفل، أو مشهد شروق، أو صوت شخص غاب طويلًا، أو كتاب يفتح أمامنا سؤالًا جديدًا، أو لقاء عابر يغير شيئًا في طريقة تفكيرنا، فالمشكلة ليست دائمًا في اختفاء الأشياء الجميلة، وإنما في قدرتنا على رؤيتها.

وهنا يصبح الحفاظ على الدهشة مسؤولية شخصية، تبدأ من استعادة مهارة التوقف، أن نتوقف أمام ما نراه، وأن نسأل بدلًا من أن نفترض، وأن نمنح الأشياء وقتًا كافيًا قبل أن نصدر أحكامنا عليها، وأن نسمح لأنفسنا بأن نقول «لا أعرف» بدلًا من البحث دائمًا عن إجابة سريعة.

والدهشة ترتبط كذلك بالفضول، فالإنسان الذي يتوقف عن السؤال يبدأ في العيش داخل دائرة مغلقة، بينما يفتح السؤال أبوابًا جديدة، ويقود إلى المعرفة، والمعرفة بدورها لا تقتل الدهشة كما يعتقد البعض، بل يمكن أن تصنع دهشة أعمق، لأن معرفة التفاصيل تجعلنا أكثر إدراكًا لتعقيد الأشياء وروعتها.

وفي هذا السياق، يصبح التعليم أحد أهم المجالات القادرة على حماية الدهشة أو قتلها، فإذا كان التعليم قائمًا على الحفظ والتلقين فقط، فقد يتحول السؤال إلى عبء، أما إذا منح الطالب فرصة التجربة والملاحظة والمناقشة، فإنه يحافظ على فضوله الطبيعي ويجعله شريكًا في اكتشاف المعرفة.

والأمر نفسه ينطبق على الأسرة، فالطفل الذي يُسمح له بالسؤال، حتى عندما تكون أسئلته كثيرة أو بسيطة، يتعلم أن الفضول قيمة، بينما الطفل الذي يواجه دائمًا بعبارات من نوع «اسكت» و«هذا أمر لا يخصك» و«ستعرف عندما تكبر»، قد يتعلم مبكرًا أن السؤال غير مرغوب فيه، وأن الصمت أكثر أمانًا من البحث.

أما في العلاقات الإنسانية، فإن فقدان الدهشة قد يتحول إلى نوع من الاعتياد القاسي، فنعتاد وجود أشخاص مهمين في حياتنا إلى الدرجة التي نتوقف معها عن تقدير حضورهم، وننسى أن الأشخاص أيضًا يمكن أن يتغيروا، وأن كل إنسان يحمل داخله تفاصيل جديدة تستحق الاكتشاف.

ولهذا فإن الحفاظ على الدهشة داخل العلاقات لا يعني انتظار مفاجآت كبيرة، وإنما يعني أن ننظر إلى الآخر باعتباره إنسانًا متجددًا، لا نسخة ثابتة نعرف عنها كل شيء، وأن نستمع إليه بصدق، وأن ننتبه إلى تغيراته الصغيرة، وأن نحتفظ بمساحة للاكتشاف حتى مع أقرب الناس إلينا.

وفي العمل أيضًا، يمكن للدهشة أن تتحول إلى طاقة للإبداع، فالموظف الذي يتعامل مع عمله باعتباره مجموعة من المهام المتكررة فقط، غالبًا ما يفقد الحماس بمرور الوقت، بينما الشخص الذي يسأل دائمًا كيف يمكن تطوير الطريقة، أو تبسيط الإجراءات، أو تقديم فكرة مختلفة، يظل قادرًا على إنتاج الجديد حتى داخل البيئة نفسها.

ولذلك فإن الدهشة ليست عكس الخبرة، كما أنها ليست حالة خاصة بالأطفال أو الفنانين، بل يمكن أن تكون جزءًا من النضج نفسه، لأن النضج الحقيقي لا يعني أن نعرف كل شيء، وإنما أن ندرك حجم ما لا نعرفه، وأن نظل مستعدين للتعلم.

وربما يكون التحدي الأكبر أمام الإنسان المعاصر هو أن يستعيد «بطء النظر» في عالم يدفعه دائمًا إلى السرعة، أن يقرأ دون استعجال، ويستمع دون أن يبحث عن رد سريع، ويرى دون أن يلتقط الصورة فورًا، ويعيش اللحظة بدلًا من التفكير الدائم في توثيقها أو مشاركتها.

فالدهشة تحتاج إلى مساحة، والمساحة تحتاج إلى هدوء، والهدوء أصبح من أكثر الأشياء ندرة في حياتنا اليومية، ولذلك فإن استعادة الدهشة قد تبدأ بخطوة بسيطة، أن نخفض قليلًا ضجيج العالم من حولنا، ونترك لأنفسنا فرصة أن نرى ما كان يمر أمام أعيننا دون أن نلاحظه.

وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال الحقيقي هو كيف نحافظ على الدهشة، وإنما كيف لا نسمح للحياة بأن تسلبها منا، فالعالم لم يصبح بالضرورة أقل إثارة، لكننا أصبحنا أكثر اعتيادًا، والأشياء الجميلة لم تختفِ، لكن أعيننا ربما فقدت جزءًا من قدرتها على رؤيتها.

ومن هنا تبدو فكرة الدكتور أحمد العرفج جديرة بأن تتحول من مجرد عنوان لحلقة إلى سؤال مفتوح لكل إنسان: متى كانت آخر مرة أدهشك فيها شيء بسيط؟ ومتى توقفت عن السؤال؟ ومتى أصبح المألوف بالنسبة لك أهم من أن تكتشف فيه شيئًا جديدًا؟

ربما تكون الدهشة في النهاية إحدى العلامات الصامتة على أننا ما زلنا نعيش، لا بمجرد مرور الأيام، وإنما بقدرتنا على استقبالها، والتفاعل معها، واكتشاف جمالها من جديد.