التخطي إلى المحتوى

علاء قنديل يكتب 

العرفج ونساء “الخيال الاجتماعي”: من هي المرأة التي يبحث عنها الإعلام؟

شروط العرفج.. هل تعيش المرأة التي يتحدث عنها خارج إطار “الهاشتاج”؟

 

تشتعل مواقع التواصل الاجتماعي يومياً بآراء وطروحات إعلامية وفكرية تناقش سيكولوجية المرأة ومتطلباتها في العلاقة الزوجية. وكان للكاتب والإعلامي السعودي الدكتور أحمد العرفج حصة الأسد في تصدّر هذه النقاشات بأسلوبه الساخر والواضح، من خلال إطلاق مقولات ومفاهيم تناقلها المتابعون بشكل واسع، مثل: “المرأة إذا أحبت فعلت كذا وكذا”، و*”المرأة لا تعشق إلا من يحمل المسؤولية”، و”المرأة تريد المال قبل كل شيء”*.

لكن وسط هذه الترسانة من “النظريات المعلبة” التي تُضخ عبر المنصات والشاشات، يطرح الشارع العربي والشباب الجيل الجديد سؤالاً جوهرياً يعكس حالة من الاغتراب عن هذا الطرح: أين هي هذه المرأة التي يتحدثون عنها؟ وهل يطابق الطرح الإعلامي واقع البيوت العربية اليوم؟

أولاً: مقولات “العرفج”.. بين الواقعية والسخرية الموجهة

“إذا أحبت فعلت”: هل هي حقيقة إنسانية أم مجرد مقولة إعلامية؟ تحقيق في نظريات العرفج.

البحث عن “المرأة التي تتحدثون عنها”: صرخة من واقع البيوت في وجه الميديا.

يرى المتابعون لطروحات أحمد العرفج أنه يستند إلى انطباعات اجتماعية تراكمية، يغلفها بقالب من المباشرة والجرأة. فهو يركز على شروط التوازن في الحياة الزوجية من وجهة نظر مادية وعملية:

معادلة المسؤولية: يرى العرفج أن رجولة العصر الحديث لا تُقاس بالشعارات، بل بالقدرة على الإدارة المالية وحمل أعباء الأسرة، معتبراً أن الأمان المادي هو المفتاح الأول لقلب المرأة.

الحب المشروط بالإنجاز: يطرح العرفج فكرة أن مشاعر المرأة ليست مجانية؛ بل هي رد فعل لمسؤولية الرجل ومدى قدرته على توفير بيئة آمنة ومستقرة.

ورغم أن هذه الطروحات تجد قبولاً لدى فئة ترى أن “المال والمسؤولية” هما عصب الحفاظ على البيوت في ظل أزمات الغلاء المعيشي، إلا أنها تجرّ خلفها انتقادات حادة بسبب تعميمها وتبسيطها القاسي للعلاقات الإنسانية.

ثانياً: وهم “النموذج المثالي”.. صناعة الترند وفجوة الواقع

الفجوة بين الشاشة والبيوت: تحقيق يكشف تناقض نظريات العرفج مع واقع المرأة.

تكمن الأزمة الحقيقية في أن الخطاب الإعلامي عبر “إكس” (تويتر سابقاً) والبرامج الحوارية يُصنع غالباً لإثارة الجدل وضمان “الترند”، مما يجعله يسقط في فخين رئيسيين:

التعميم المخل: التعامل مع المرأة وكأنها “كتالوج” موحد؛ ينطبق على الجميع بنفس المعايير والأولويات (المال، التنازلات، أو التدليل المطلق).

صناعة سقف توقعات تعجيزي: يتلقى الشباب هذه المقولات وكأنها “قواعد صارمة”، مما يخلق حالة من الإحباط لدى الرجال الذين يشعرون بضغط الإعجاز المادي، وعزوفاً لدى الشباب عن الزواج ظناً منهم أن المرأة كائن “مادي متطلب فقط”.

ثالثاً: الشارع يتحدث.. أين هي امرأة “الميديا”؟

عند النزول إلى واقع البيوت والمجتمعات العربية، تظهر صورة مختلفة تماماً عن تلك التي ترسمها التغريدات والاستوديوهات:

شريكة الكفاح لا مستهلكة المال: الواقع يؤكد أن ملايين النساء اليوم يشاركن أزواجهن أعباء المعيشة اليومية، ويتنازلن عن الكثير من المتطلبات المالية في سبيل استقرار الأسرة وبنائها خطوة بخطوة.

الأمان النفسي قبل المادي: تشير تجارب واقعية كثيرة إلى أن كثيراً من النساء يفضلن المودة، الاحترام، والدعم النفسي على الوفرة المالية المقترنة بالجفاء أو الجهل الإنساني.

الوعي المتزايد: تنوعت اهتمامات المرأة المعاصرة بين تحقيق الذات والتعليم والمشاركة الفعالة، ولم تعد النظرة التقليدية القائمة على “الرجل كممول فقط” هي الحاكمة لدى الشريحة الأكبر من النساء.

رابعاً: رؤية علم الاجتماع والصحة النفسية

يعلق خبراء الاجتماع على هذه الظاهرة موضحين أن:

“المشكلة تكمن في تسقيف العلاقات الإنسانية داخل أطر مادية نفعية. الكاتب الإعلامي عندما يطرح آراء انطباعية عبر المنصات، فهو يصف شريحة معينة أو يعبر عن وجهة نظر فردية، لكن الخطورة تبدأ عندما يتحول هذا الطرح إلى ‘دستور زوجي’ يحاكم الشباب بناءً عليه شريكة حياتهم المستقبلية.”

ويرى الأطباء النفسيون أن الاعتماد على مقولات السوشيال ميديا في فهم الشريك الآخر يسبب فجوة جيلية وحالة من “الجفاء العاطفي المشروط”، حيث يظل كل طرف ينتظر من الآخر تطبيق قائمة شروط قبل أن يقدم له المشاعر أو الأمان.

خلاصة التحقيق: بين الشاشة والواقع

المرأة التي يتحدث عنها أحمد العرفج وغيره من صناع الرأي في الشاشات والمنصات الرقمية هي في كثير من الأحيان “نموذج افتراضي” فرضته متطلبات السجال الإعلامي والبحث عن التفاعل.

أما المرأة الواقعية، فهي ليست نصاً صامتاً في كتاب، ولا تغريدة في منصة “إكس”؛ بل هي كائن متعدد الأبعاد، يختلف في أولوياته واحتياجاته باختلاف التربية والبيئة والوعي. وبين المال والمسؤولية والحب، يبقى “التوافق الإنساني والمشاركة الصادقة” هو المعيار الوحيد الذي تعجز كل النظريات المعلبة عن اختزاله.

المصدر: الحقيقة نيوز