التخطي إلى المحتوى

علاء قنديل يكتب 

من عرش محمد علي إلى حنجرة أم كلثوم.. كيف ترك الألبان بصمتهم في التاريخ والوجدان المصري؟

لم تكن العلاقة بين مصر والألبان مجرد محطة عابرة في دفتر التاريخ، بل كانت شرياناً حيوياً أثر بشكل مباشر في شكل الدولة المصرية الحديثة وبناء وجدانها الثقافي. فمنذ أن اعتلى محمد علي باشا—ذو الأصول الألبانية—سدة الحكم في بدايات القرن التاسع عشر، دخلت مصر مرحلة جديدة من إعادة التشكل العسكري والسياسي والاجتماعي. لكن هذا التأثير لم يتوقف عند أسوار القلاع وبناء الجيش، بل امتد ليتغلغل في عمق الفن والوجدان العربي، وهو ما يسلط عليه الضوء الكاتب والإعلامي الدكتور أحمد العرفج في أطروحاته واهتماماته التاريخية.

 

ففي قراءة متعمقة للذاكرة الغنائية، يستعيد العرفج مفارقة تاريخية لافتة؛ تتجسد في أن الشاعر الذي شكل نصف الوجدان الغنائي لكوكب الشرق أم كلثوم تنحدر أصوله العائلية من تلك الجذور الألبانية والكريتية. الشاعر الكبير أحمد رامي، الذي كتب لأم كلثوم ما يقرب من 137 أغنية—توازي نصف رصيدها الغنائي تقريباً مثل “هجرتك”، “دليلي احتار”، و”حيرت قلبي معاك”—يمثل النموذج الأبرز لمدى قدرة الهوية المصرية على استيعاب الروافد الثقافية الوافدة وانصهارها كاملاً.

لقد عاش رامي وترعرع في قلب حي السيدة زينب بالقاهرة، ونشأ بلسان وروح ومشاعر مصرية خاضصة، ليصبح شاعر الشباب والرومانسية الأول. إلا أن جذوره البعيدة تعود لتذكرنا بمدى التداخل الثقافي الذي شهدته مصر؛ حيث أثبتت التجربة الحضارية أن الوافد الألباني لم يبنِ فقط مؤسسات الدولة مع محمد علي، بل أسهم—عبر أجياله المتعاقبة المتمصرية—في صياغة أجمل وأرقى ما تغنت به الحنجرة العربية على مر التاريخ.