قد تسبق لقطة سينمائية تقريرًا إحصائيًا، وقد تختزل ابتسامة على الشاشة قصة مجتمع بأكمله. هكذا كان فيلم «عالم عيال عيال»، الذي عُرض عام 1976، إذ لم يكن مجرد عمل كوميدي ناجح، بل وثيقة اجتماعية عفوية سجلت ملامح الأسرة المصرية في حقبة كانت فيها كثرة الأبناء جزءًا أصيلًا من الثقافة المجتمعية، قبل أن تعيد التحولات الديموجرافية رسم المشهد بعد نحو نصف قرن.
فقد تناول الفيلم، في إطار كوميدي، قصة أرمل لديه ثمانية أبناء، وأرملة لديها ستة أبناء، تزوجا ليجدا نفسيهما مسؤولين عن أسرة تضم أربعة عشر طفلًا، قبل أن يرتفع العدد إلى ستة عشر طفلًا مع نهاية أحداث الفيلم. وقد بدت هذه الفكرة آنذاك قريبة من الواقع الاجتماعي الذي كانت تعيشه مصر، حيث ارتفعت معدلات الإنجاب، وكانت الأسر كبيرة العدد أمرًا شائعًا.
وفي عام 1976 عندما تم عرض الفيلم ، بلغ عدد سكان مصر نحو 36.6 مليون نسمة، وكانت البلاد تعيش مرحلة اتسمت بارتفاع معدلات الإنجاب واتساع قاعدة الهرم السكاني، حيث شكل الأطفال والشباب النسبة الأكبر من السكان. وكان المجتمع المصري آنذاك أكثر شبابًا، وأكثر ميلًا إلى الأسر كبيرة العدد، في انعكاس واضح للظروف الاقتصادية والاجتماعية والثقافية السائدة.
أما اليوم، فقد تغير المشهد الديموجرافي بصورة كبيرة. فقد تجاوز عدد سكان مصر 109 ملايين نسمة، أي ما يقرب من ثلاثة أضعاف عدد السكان وقت عرض الفيلم. ورغم هذه الزيادة الكبيرة في إجمالي السكان، فإن تركيبهم العمري شهد تحولًا ملحوظًا؛ إذ انخفضت معدلات الإنجاب مقارنة بما كانت عليه في سبعينيات القرن الماضي، وتراجعت نسبة الأطفال دون سن الثامنة عشرة من إجمالي السكان، في مقابل زيادة نسبة السكان في سن العمل وارتفاع متوسط العمر المتوقع.
وتشير أحدث البيانات الصادرة عن الجهاز المركزى لتعبئة العامة والإحصاء، إلى أن عدد الأطفال أقل من 18 عامًا يبلغ نحو 40 مليون طفل، أي ما يقارب 37% من إجمالي السكان، بينما كانت نسبتهم في منتصف السبعينيات تتجاوز النصف، وهو ما يعكس انتقال مصر تدريجيًا إلى مرحلة جديدة من التحول الديموجرافي، تتسم بانخفاض الخصوبة وتغير الهيكل العمري للسكان.
إنها أرقام لا تعكس مجرد تغير في التوزيع العمري، بل تحكي قصة مجتمع ينتقل تدريجيًا من مرحلة الانفجار السكاني إلى مرحلة أكثر توازنًا في النمو الديموجرافي.
ومن هنا، يمكن قراءة فيلم “عالم عيال عيال” باعتباره وثيقة اجتماعية غير مباشرة، عكست ثقافة الإنجاب السائدة في سبعينيات القرن الماضي، عندما كانت الأسرة الكبيرة رمزًا للدفء والتكافل الاجتماعي، بينما أصبحت الأسرة المصرية اليوم تميل إلى عدد أقل من الأبناء، مدفوعة بعوامل اقتصادية واجتماعية وثقافية، وارتفاع مستويات التعليم، وزيادة مشاركة المرأة في سوق العمل، إلى جانب اتساع الوعي بأهمية الاستثمار في تعليم وصحة الأبناء.
ورغم أن الفيلم قدم الفكرة في قالب ساخر، فإن رسالته لا تزال تحتفظ بقدر كبير من الواقعية؛ فإدارة أسرة تضم عددًا كبيرًا من الأطفال كانت تمثل تحديًا في عام 1976، لكنها أصبحت اليوم أكثر صعوبة في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة ومتطلبات التعليم والرعاية الصحية.
وهكذا، وبعد مرور نحو خمسين عامًا على عرض الفيلم، لم يعد الاختلاف في عدد السكان فقط، بل في طبيعة المجتمع نفسه. فبينما كانت مصر في السبعينيات مجتمعًا فتيًا يعتمد على معدلات إنجاب مرتفعة، فإنها اليوم تعيش مرحلة جديدة من التحول الديموجرافي، حيث تتجه معدلات الإنجاب إلى الانخفاض، ويتغير الهرم السكاني تدريجيًا، بما يفرض تحديات وفرصًا جديدة أمام خطط التنمية المستدامة.
ولعل المقارنة بين “عالم عيال عيال” والواقع الحالي تؤكد أن السينما لم تكن مجرد وسيلة للترفيه، بل سجلًا اجتماعيًا يوثق ملامح المجتمع في كل مرحلة، بينما تكشف الإحصاءات الرسمية كيف تغيرت هذه الملامح عبر الزمن، لتروي بالأرقام ما بدأته السينما بالحكاية، وأن كل رقم يحمل خلفه قصة، وكل مؤشر يرسم ملامح مستقبل.
ومن هنا، تبرز قيمة الإحصاءات الرسمية باعتبارها الذاكرة الرقمية للمجتمع، فهي لا تكتفي برصد الأرقام، بل تكشف التحولات العميقة التي شهدتها مصر عبر العقود. وإذا كانت السينما قد روت الحكاية بالمشهد والابتسامة، فإن الإحصاءات ترويها بالدقة والحقائق، ليكتمل المشهد بين الفن والرقم.
وربما لهذا السبب، يبقى الفيلم شاهدًا على زمن كانت فيه الأسرة الكبيرة عنوانًا للحياة اليومية، بينما تكشف بيانات اليوم عن مجتمع يتغير بثبات، ويعيد تشكيل هرمه السكاني بما يتوافق مع متطلبات التنمية المستدامة ورؤية المستقبل.
لقد احتفظت السينما بصورة المجتمع كما كان، بينما احتفظت الإحصاءات بصورة المجتمع كما أصبح. وبين الصورتين تمتد رحلة مصر الديموجرافية؛ رحلة تؤكد أن الأرقام ليست مجرد بيانات جامدة، بل نبض وطن، ومرآة تعكس ماضيه، وتفسر حاضره، وتستشرف مستقبله.
بقلم / نجلاء احمد
باحثة في الإعلام السكاني والدراسات الديموجرافية

