التخطي إلى المحتوى

علاء قنديل يكتب :

حين تحدث كيسنجر عن الفوضى القادمة ..كيف تُرسم خريطة الشرق الأوسط بخطة أمريكية إسرائيلية؟

..أخطر سيناريو أمريكي إسرائيلي ضد إيران والخطة الكبرى

 

لم تكن التحولات المتسارعة التي يشهدها الشرق الأوسط مفاجئة بالكامل، فقبل سنوات من تصاعد التوترات الحالية، كان الدبلوماسي الأمريكي المخضرم هنري كيسنجر قد أشار في أكثر من مناسبة إلى ملامح صراع قادم، يتشكل على وقع توازنات معقدة بين القوى الكبرى والإقليمية، في مقدمتها الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران

 

كيسنجر الذي يُعد أحد أبرز مهندسي السياسة الخارجية الأمريكية في القرن العشرين، حذر من أن الشرق الأوسط يتجه نحو مرحلة إعادة تشكيل شاملة، تقوم على صراعات ممتدة وليس حروبا سريعة، مؤكدا أن أي مواجهة مع إيران لن تكون تقليدية أو محسومة بسهولة.

وفي قراءاته الاستراتيجية، شدد كيسنجر على أن الولايات المتحدة لا تسعى فقط إلى احتواء إيران، بل إلى إعادة رسم قواعد النفوذ في المنطقة، عبر تحجيم قدراتها العسكرية والنووية، وتقليص دورها الإقليمي، خاصة في ما يتعلق بدعم الحلفاء والجماعات المسلحة

وتتقاطع هذه الرؤية مع ما يظهر حاليا من تحركات أمريكية، سواء عبر الضغوط العسكرية أو المسارات الدبلوماسية، حيث تبدو واشنطن حريصة على تحقيق توازن دقيق بين التصعيد والاحتواء، بما يضمن عدم انفلات الأوضاع إلى حرب شاملة يصعب السيطرة عليها.

أما فيما يتعلق بإسرائيل، فقد أشار كيسنجر إلى أن استراتيجيتها تقوم على مبدأ الضربات الوقائية ومنع الخصوم من امتلاك قدرات تهدد تفوقها العسكري، وهو ما يفسر تركيزها المستمر على البرنامج النووي الإيراني ومحاولات تعطيله أو تقويضه

كما لفت إلى أن التنسيق بين واشنطن وتل أبيب لا يقتصر على الجانب العسكري فقط، بل يمتد إلى إدارة الأزمات سياسيا، عبر استخدام أدوات الضغط الدولي والعقوبات، إلى جانب التحركات الاستخباراتية التي تستهدف إضعاف الخصوم من الداخل.

وفي سياق متصل، توقع كيسنجر أن تلعب الممرات الاستراتيجية دورا محوريا في أي صراع قادم، وعلى رأسها مضيق هرمز، باعتباره نقطة ضغط رئيسية يمكن أن تؤثر على الاقتصاد العالمي، وهو ما يتجلى اليوم في تصاعد التوتر حول حركة الملاحة وأسواق الطاقة

كما أشار إلى أن الصراعات الحديثة لن تُحسم فقط بالقوة العسكرية، بل بقدرة الأطراف على الصمود وإدارة الأزمات، وهو ما يفسر لجوء بعض الدول إلى استراتيجيات الاستنزاف وإطالة أمد المواجهة لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية.

وتكشف تطورات الأحداث الحالية عن تقاطع لافت مع تحذيرات كيسنجر، حيث تتداخل التحركات العسكرية مع مفاوضات معقدة، وتتصاعد الضغوط الاقتصادية بالتوازي مع التهديدات الأمنية، في مشهد يعكس عمق الأزمة وتشابك أبعادها

ورغم أن كيسنجر لم يتحدث عن سيناريو بعينه، فإن تحليلاته قدمت إطارا عاما لفهم ما يجري اليوم، حيث تبدو المنطقة أمام اختبار حقيقي لتوازنات القوة، وسط سباق بين التصعيد والحلول السياسية، في ظل سعي كل طرف لفرض رؤيته على مستقبل الشرق الأوسط.

ويبقى السؤال الأهم، هل كانت تحذيرات كيسنجر مجرد قراءة استباقية، أم أنها خريطة طريق غير معلنة لما يحدث الآن، في صراع تتجاوز حدوده الجغرافيا ليعيد تشكيل موازين القوى العالمية بالكامل.

ويبقى المشهد مفتوحا على كافة السيناريوهات، بين تصعيد قد يقود إلى مواجهة واسعة، أو تسويات سياسية تُفرض تحت ضغط الواقع، إلا أن المؤكد أن ما يجري اليوم يعكس تحققا تدريجيا لرؤية قديمة، وضع ملامحها كيسنجر منذ سنوات، لتتحول الآن إلى واقع يفرض نفسه بقوة على الجميع